في حديثها لـ«آكشن سبورت».. الكاتبة والأكاديمية المتخصصة تستعرض رؤيتها للثقافة

الليل يمنحني أصدق لحظات الكتابة
العلم مسؤولية وليس تحصيلاً أكاديمياً فقط
الحروب تهدم المكتبات وتصنع أدباً خالداً
الإنسان أولاً.. ورسالة الثقافة لا تموت
القراءة تصنع الوعي لا كثرة المعلومات
المستنيرون موجودون لكن أصواتهم تخفت
حوار : الفاضل هواري ـ آكشن سبورت
تؤمن الكاتبة والأكاديمية أميمة عثمان بأن الثقافة ليست كمًّا من المعلومات، بل وعي ينعكس على السلوك وطريقة التفكير. وفي هذا الحوار مع «آكشن سبورت»، تتحدث عن بداياتها في مدينة العيلفون، وعشقها الأول للكتابة، ورؤيتها لمستقبل الثقافة في ظل الثورة الرقمية، كما تتناول دور الجامعات في بناء الشخصية، ورسالة الأدب، وتجربتها مع الإعلام، واهتمامها بذوي الإعاقة، ورأيها في واقع القراءة والمستنيرين في السودان، مؤكدة أن الأوطان لا تنهض إلا بالإنسان والمعرفة.
* كيف تنظرين إلى الثقافة اليوم في ظل المتغيرات؟
– الثقافة اليوم تواجه اختبارًا حقيقيًا. صحيح أن الوصول إلى المعرفة أصبح أسهل من أي وقت مضى بفضل الفضاء الرقمي، لكن امتلاك الوعي أصبح أكثر صعوبة. نحن بحاجة إلى ثقافة تقوم على التفكير النقدي لا على الاستهلاك السريع للمعلومة، فالثقافة ليست ما نقرأه فقط، بل ما ينعكس على سلوكنا وقيمنا وطريقة رؤيتنا للحياة.
* ماذا بقي في ذاكرتك من العيلفون ومرحلة الدراسة؟
– العيلفون ليست مجرد مدينة، بل هي الذاكرة الأولى وبداية الحلم. ما زلت أحتفظ برائحة الفصول ودفاتر المدرسة وضحكات الصديقات والمعلمات اللاتي زرعن فينا حب العلم والثقة بالنفس. كما لا أنسى الأزقة التي كانت تعكس روح المحبة والتواصل، فقد أسهمت المدينة في تشكيل شخصيتي قبل أن أكون كاتبة أو أكاديمية.
* من هو عشقك الأول؟
– عشقي الأول هو الكلمة. الكتابة رافقتني منذ الطفولة، وكلما ابتعدت عنها أعادتني إليها، وكلما كتبت شعرت أنني أعود إلى نفسي.
* كيف واجهتِ محطات التعب واليأس؟
– الإرادة لا تعني غياب التعب، بل الاستمرار رغم وجوده. تعاملت مع الفشل باعتباره درسًا، ومع النجاح باعتباره مسؤولية أكبر، وكان حبي للعلم هو الزاد الحقيقي في رحلتي.
* في ظل هيمنة المحتوى السريع.. كيف نعزز الثقافة الجادة؟
– بإعادة الاعتبار للكتاب، وتشجيع القراءة منذ الطفولة، وتقديم محتوى ثقافي يواكب العصر دون أن يفقد عمقه، لأن المعرفة السريعة تصنع قارئًا عابرًا، لكنها لا تصنع مثقفًا.
* ماذا أضافت لك الجامعات؟
– أقول لجامعتي أم درمان الإسلامية والزعيم الأزهري: شكرًا. لم تمنحاني شهادة فحسب، بل منحتاني أدوات التفكير والبحث والتحليل، وهناك تعلمت أن المعرفة مسؤولية وليست مجرد تحصيل أكاديمي.
* أين تجدين نفسك في هدوء الليل؟
– الليل أكثر الأوقات صدقًا بالنسبة لي، ففيه تهدأ الضوضاء ويعلو صوت الذات، ولذلك وُلدت أغلب نصوصي في ساعات الليل، حين تصبح الروح أكثر قدرة على الإنصات.
* ما النصيحة التي تقدمينها مع بداية كل يوم؟
– أن يبدأ الإنسان يومه بالأمل والامتنان والشكر لله، وأن يخصص وقتًا للقراءة أو التأمل، لأنهما يغذيان الروح كما يغذي الطعام الجسد.
* إلى أي مدى أثرت دراسة علم الاجتماع والفلسفة في تجربتك؟
– علم الاجتماع علمني أن الإنسان ابن بيئته، بينما علمتني الفلسفة ألا أكتفي بالإجابات السطحية، لذلك أصبحت شخصياتي الروائية أكثر عمقًا، وأبحث دائمًا عن الأسباب قبل الأحكام.
* هل واجهتِ صعوبات في بداياتك الإعلامية؟
– نعم، لكنني لم أعتبرها عوائق، بل حوافز للتطور، وكنت مؤمنة بأن الجودة والاستمرارية هما أفضل رد على أي تشكيك.
* لمن تهدين أجمل كلماتك؟
– أهديها لوالديّ، رحمهما الله، اللذين غرسا في داخلي قيمة العلم ومحبة الناس، ولكل معلم علمني حرفًا، ولكل قارئ وجد نفسه في كلماتي، ولكل إنسان منحني لحظة صدق أو دعم.
* ما رسالتك للصحفيين والكتاب؟
– أن يكتبوا بضمير قبل أن يكتبوا بقلم، وأن يتحروا الحقيقة ويحترموا عقل القارئ، وأن يقرأوا أكثر مما يكتبون، لأن الكاتب الذي يتوقف عن القراءة يتوقف عن النمو.
* لماذا اهتمامك بمجال الإعاقة والنطق والتخاطب؟
– لأنني أؤمن بأن المجتمع يقاس بمدى اهتمامه بالفئات التي تحتاج إلى الدعم، وتمكين ذوي الإعاقة واجب مجتمعي قبل أن يكون عملاً إنسانيًا.
* ماذا تقولين عن ألم التجاهل؟
– الألم الحقيقي ليس في الفقد، بل في تغير القلوب. ومع ذلك تعلمت أن أحتفظ بالمحبة دون عتاب طويل، وأن أترك للأيام أن تقول كلمتها، فبعض العلاقات يكفيها الدعاء مهما فرقتها المسافات.
* رسالتك لمجموعة أجيال المستقبل؟
– بناء الأجيال مسؤولية عظيمة ورسالة نبيلة. استثمروا في الإنسان قبل أي شيء، فالأوطان لا تنهض إلا بعقول شبابها وأخلاقهم، وكل مبادرة صادقة تزرع بذرة خير في المجتمع.
* هل ما زالت المقولة «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ» صالحة؟
– العالم تغير كثيرًا. لم تعد الكتابة حكرًا على مدينة، ولا الطباعة على أخرى. الحرب في السودان لم تكسر عادة القراءة فحسب، بل مست الحياة نفسها، لكنها قد تفتح الباب أمام أدب سوداني جديد أكثر حضورًا عالميًا. فالطيب صالح لم يصل إلى العالمية لأنه كتب عن أوروبا، بل لأنه كتب السودان بصدق، والعالم دائمًا يصغي إلى الشعوب التي تكتب جراحها بصدق.
* أين المستنير السوداني اليوم؟
– المستنيرون موجودون، لكن أصواتهم تخفت حين يعلو ضجيج الأزمات. فالمعرفة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى مجتمع يسمعها ومؤسسات تحميها. والسؤال الحقيقي ليس: أين المستنيرون؟ بل: هل ما زلنا نمنح الاستنارة المكان الذي تستحقه لتقود التغيير؟











