من زمن الرصاص إلى الصحافة الحديثة.. حكايات شاهد على المهنة
دقش حرر الأدب وصلاح أحمد إبراهيم كتب من نيجيريا
«أخبار الأسبوع» انفردت بانقلاب نكروما بعد منتصف الليل
إبراهيم عوض – آكشن سبورت
أعادنا العم إسماعيل حمودة، المدقق اللغوي المخضرم، إلى زمن مختلف من تاريخ الصحافة السودانية؛ زمن كانت فيه الحروف تُجمع بالرصاص، والصفحات تمر بمراحل شاقة قبل أن تصل إلى المطبعة، وكان المدقق اللغوي يقف حارساً أخيراً للكلمة قبل أن تقع عليها عين القارئ.
جلسنا إلى جانبه، برفقة الزميل الفاضل هواري وابنته الإعلامية بقناة الخرطوم فاطمة إسماعيل وابنيه محمد وعبدالمجيد، ففتح الرجل خزائن ذاكرته، مستعيداً محطات من رحلة طويلة بدأت في الصحافة منذ خمسينات القرن الماضي، وظلت تفاصيلها حاضرة في ذهنه رغم تعاقب السنين.
زمن الصحافة
يتذكر العم إسماعيل تجربته مدققاً لغوياً في صحيفة «أخبار الأسبوع»، التي كانت تصدر كل يوم جمعة، بقيادة رئيس تحريرها محمد الخليفة طه الريفي، وصاحب امتيازها عوض برير.
ويقول إن الصحيفة كانت تضم نخبة من كبار الكتاب، من بينهم الإعلامي إبراهيم دقش، الذي كان يتولى تحرير الصفحة الأدبية، بينما كان الشاعر والدبلوماسي صلاح أحمد إبراهيم يكتب في الصفحة الأخيرة.
ويستعيد حمودة واحدة من التفاصيل التي تختصر صعوبة العمل الصحفي آنذاك، موضحاً أن صلاح أحمد إبراهيم كان موجوداً في نيجيريا سفيرا للسودان، وكانت مقالاته تصل إلى الصحيفة عبر الحقيبة الدبلوماسية، لتجد طريقها بعد ذلك إلى القراء.
سبق تاريخي
ومن الذكريات التي لا تزال عالقة في ذهنه، انفراد «أخبار الأسبوع» بخبر الانقلاب على الرئيس الغاني كوامي نكروما. ويقول إن الخبر وصل إليهم بطريقة خاصة في ساعة متأخرة من الليل، بعد أن كانت الصفحة الأولى قد أُعدت بالفعل.
واضطر فريق الصحيفة إلى تغيير الصفحة الأولى وإعادة تجهيزها لاستيعاب الحدث الكبير، لتصدر «أخبار الأسبوع» حاملة الخبر، ويؤكد العم إسماعيل أنها كانت الصحيفة الوحيدة التي نشرته في ذلك اليوم.
ويستعيد تلك اللحظات باعتزاز، خصوصاً أن العمل الصحفي في ذلك الزمن لم يكن يعرف التقنيات الحديثة التي تتيح تغيير الصفحات خلال دقائق.
حروف الرصاص
ويصف العم إسماعيل التدقيق في صحافة الخمسينات والستينات بأنه مهمة شاقة ودقيقة؛ فالصحف كانت تُجمع بالحروف الرصاصية، وكان تصحيح الخطأ يتطلب جهداً ووقتاً، بينما كان المدقق مطالباً بمراجعة المواد بعناية كبيرة قبل انتقالها إلى مرحلة الطباعة.
ويرى أن الثورة التي شهدتها تقنيات الجمع والتصميم والطباعة اختصرت كثيراً من الوقت والجهد، وسهلت مهمة المحررين والمدققين والمصممين، مقارنة بما كان عليه الحال في سنوات البدايات.
محطات أخرى
ولم تتوقف رحلة إسماعيل حمودة عند الصحافة، إذ عمل لاحقاً في عدد من المؤسسات الحكومية، من بينها مصنع سكر حلفا الجديدة، كما شارك مع عدد من زملائه في تأسيس نقابة أرباب المعاشات.
ويعتز بصورة خاصة بالدور الذي قامت به النقابة في تحسين أوضاع المعاشيين، من خلال العمل على تخفيض الضرائب المفروضة عليهم، وصولاً إلى إعفائهم منها، وهي الخطوة التي ينظر إليها باعتبارها من الأعمال التي يعتز بها في مسيرته و«صدقة جارية» بقي أثرها للآخرين.
أسرة متعلمة
وينحدر العم إسماعيل من منطقة المزروب بشمال كردفان ، وله أربعة أبناء وست بنات، من بينهم الإعلامية فاطمة إسماعيل، وقد حرص على تعليم أبنائه جميعاً حتى أكملوا دراستهم الجامعية، واضعاً التعليم في مقدمة أولويات الأسرة.
وتكشف قصة ابنه محمد جانباً من ذلك الاهتمام؛ فقد كان يمتلك موهبة فطرية في كرة القدم، وأسهم في صعود نادي السكر بحلفا الجديدة إلى الدرجة الأولى. وكانت أمامه، بحسب حديثه، فرصة للانتقال إلى الهلال عندما زار الفريق حلفا الجديدة في نهاية الثمانينات، لكن والده أصر على إكماله تعليمه أولاً.
بيت هلالي
وتقول فاطمة إن الرياضة حاضرة بقوة داخل الأسرة، وإن أفراد البيت يشجعون الهلال، باستثناء شقيقها الأكبر عبد المنعم، الذي اختار المريخ، ونسج علاقات قوية مع عدد من نجوم الأحمر من جيل إبراهيم حسين «إبراهومة»، وخالد أحمد المصطفى، ونميري أحمد سعيد.
وبين الصحافة والتعليم والعمل العام والرياضة، تبدو حكاية العم إسماعيل حمودة أكبر من مجرد ذكريات مدقق لغوي مخضرم؛ فهي نافذة على مرحلة كاملة من تاريخ الصحافة السودانية، حين كانت الكلمة تمر عبر حروف الرصاص، وكان وراء كل صفحة رجال يطاردون الخبر ويحرسون اللغة قبل أن تدور المطابع.













