داليا الأسد
من أبرز الأمثال السودانية التي تعبّر عن الإيمان بالأقدار والرضا بالمكتوب. ومعناه أن ما يقدّره الله عليك، سواء كان أخذاً أو تركاً، فهو خير لك في كلتا الحالتين. وهو مثل يعكس الثقة المطلقة في حكمة الله، والرضا بقضائه خيره وشرّه، والإيمان بأن الأقدار ستمضي بنا سواء اعترضنا أم سلّمنا.
فالرضا لا يعني غياب الألم، كما أن الصبر لا يعني إنكار الوجع. فليست الأقدار دائماً على مقاس رغباتنا، ولا تأتي الحياة بما نخطط له حرفياً. أحياناً تمضي بنا الطرق إلى أماكن لم نطلبها، وتحمل لنا أحداثاً لم نتهيأ لها، فنقف متسائلين: لماذا أنا؟ ولماذا الآن؟
لكن الحقيقة الأعمق أن القدر لا يُقاس بلحظته، بل بأثره. فما نراه اليوم ثِقلاً قد يكون غداً نجاة، وما نعدّه خسارة قد يكون باباً أُغلق ليحمي ما بقي فينا.
الرضا موقف، والصبر وعي، وكلاهما اختيار داخلي لا يراه الناس، لكنه يُحدث فرقاً هائلاً في القلب. حين يرضى الإنسان، لا لأنه فهم كل شيء، بل لأنه وثق بمن يدبّر كل شيء، تتحول المشقة إلى سكينة، ويصبح الانتظار عبادة صامتة.
كم من أمرٍ ضاق به الصدر، ثم اتضح أنه كان لطفاً متخفياً، وكم من تأخيرٍ حسبناه حرماناً، فإذا به عناية إلهية سبقت إدراكنا. فنحن لا نرى إلا جزءاً من المشهد، بينما الصورة الكاملة بيد الله وحده.
الأقدار ستمضي بنا سواء اعترضنا أم سلّمنا، لكن الفرق الحقيقي أن تمضي ونحن مطمئنون لا منهكون، واثقون لا قلقون. فالرضا بقضاء الله لا يعني أنك لا تتألم، بل يعني أنك تؤمن بأن خلف كل صبرٍ عوضاً، وخلف كل غموض علماً، وخلف كل تأخير حكمة.
نعم، الأقدار مكتوبة في علم الله الأزلي في اللوح المحفوظ، لكن ذلك لا يُلغي حرية الاختيار والعمل. فقد أمرنا الله بالأخذ بالأسباب، من عملٍ ودعاء، وجعل القدر نوعين: قدراً محتوماً لا يتغير، وقدراً معلقاً يتغير بالأسباب والطاعات. فالعبرة ليست في الاحتجاج بالقدر عند المعصية، بل في السعي للخير، والرضا بقضاء الله.
فالرضا بالأقدار هو طمأنينة القلب لحكم الله وقضائه، ويقينٌ بأن ما قدّره الله هو الخير المحض، وهو ما يُثمر سعادةً، وسكينةً، وعوضاً جميلاً. وهو مقام إيماني رفيع، أعلى من الصبر، يتضمن عدم التسخط، واليقين بحكمة الله وعدله في السراء والضراء، مع الأخذ بالأسباب المشروعة.












