بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
▪️
– إذا كانت الإدارة المحترفة والنزيهة هي الأساس الذي تقوم عليه كرة القدم الحديثة، فإن ما جرى خلال الموسم المنصرم يؤكد أن الأزمة الحقيقية في كرة القدم السودانية ليست أزمة ملاعب أو موارد أو مواهب، بل أزمة إدارة وعقلية ما زالت تدير اللعبة بمنطق ردود الأفعال وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة العامة، بدلاً من التخطيط والمؤسسية واحترام قواعد المنافسة.
– لقد كشف الموسم الذي بدأ بدوري موزع على أربع مجموعات وانتهى بما سمي بدوري النخبة، حجم الخلل والارتباك الذي تعانيه منظومة اتحاد كرة القدم مجلس إدارة ولجان .
– فبدلاً من أن يكون الاتحاد مؤسسة واثقة وموثوق بها تقود التطوير وترتقي بجودة المنافسات وتفرض الانضباط وتحمي العدالة التنافسية، تحول في كثير من المحطات إلى مصدر للأزمات وصانع لها، بل وأحياناً طرفاً في تعقيدها.
– ولم يكد يمر أسبوع من أسابيع الموسم إلا وظهرت أزمة جديدة أو شكوى أو تظلم أو احتجاج.
– والأكثر إثارة للقلق أن القاسم المشترك في معظم هذه الأزمات لم يكن الأندية أو الجماهير أو الحكام، وإنما القرارات والإجراءات التي صدرت عن لجان الاتحاد المختلفة، سواء بسبب حماية المصالح أو التأخر في حسم الملفات، أو القرارات التي افتقدت الوضوح والاتساق، الأمر الذي أضعف الثقة في عدالة المنافسة وسلامة إدارتها.
– وكان المنتظر من الاتحاد أن يتعامل مع هذه الأزمات بروح المسؤولية ، وأن يراجع أخطاءه بشجاعة، وأن يضع حداً للتجاوزات والقصور الإداري.
– لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً بكل أسف إذ بدا أن سياسة الهروب من مواجهة المشكلات أصبحت هي الخيار الأسهل، بينما ظلت المعالجات المؤقتة والحلول الترقيعية هي الخيار المتاح لإدارة الأزمات.
– ولعل القرار الخاص برفع عدد أندية الدوري الممتاز إلى 33 نادياً يمثل النموذج الأوضح لهذه العقلية.
– فهذا القرار لا يمكن تقديمه باعتباره مشروعاً للتطوير أو خطوة مدروسة للنهوض بالمنافسة، بقدر ما يعكس محاولة للهرب من استحقاقات القرارات الصعبة وتجنب معالجة أصل المشكلات التي صاحبت الموسم.
– فأي دوري محترف في العالم يمكن أن يتضمن هذا العدد؟ وأي روزنامة قادرة على استيعاب هذا التضخم غير المسبوق؟ وأي إمكانات مالية وتنظيمية يملكها الاتحاد تمكنه من إدارة منافسة بهذا الحجم، وهو الذي عجز عن إدارة منافسة بعدد أقل من الأندية؟
– وكيف سيوفر متطلبات الترحيل والإقامة والتحكيم والتنظيم والرعاية دون أن تتحول المنافسة إلى عبء إضافي على الأندية والجهات الداعمة؟
– الحقيقة أن هذا القرار لم يحل مشكلة واحدة، بل فتح الباب أمام مشكلات أكبر وأكثر تعقيداً ستظهر آثارها عاجلاً أم آجلاً.
– فالضرر لن يقتصر على الاتحاد، بل ستدفع الأندية الثمن من خلال زيادة الأعباء المالية وضغط البرمجة وتراجع العائد الفني والتسويقي للمنافسة.
– كما ستدفع المنتخبات الوطنية الثمن أيضاً عندما تتراجع جودة المنافسات التي يفترض أن تشكل القاعدة الأساسية لاكتشاف المواهب وصناعة الفرق القادرة على المنافسة.
– والأخطر من كل ذلك أن هذا النهج يبعث برسالة سالبة مفادها أن اللوائح ليست مرجعاً ثابتاً لإدارة المنافسة، وإنما أدوات قابلة للتعديل كلما واجه الاتحاد أزمة أو وجد نفسه تحت ضغط.
– وعندما تفقد اللوائح هيبتها، تفقد المنافسة جزءاً كبيراً من مصداقيتها.
– انتهى الموسم، لكن الأسئلة التي تبحث غن إجابات شافعة تبدأ الآن.
– هل يمتلك الاتحاد الشجاعة للاعتراف بأن الموسم كان حافلاً بالأخطاء والإخفاقات؟ وهل سيجري مراجعة شاملة لأداء لجانه وقراراته وآليات عمله؟ وهل سنرى أخيراً روزنامة واضحة ومعلنة للموسم المقبل تحدد مواعيد المنافسات واستحقاقاتها منذ البداية، كما يحدث في الاتحادات التي تحترم أنديتها وجماهيرها؟
– أم أن المشهد سيتكرر مرة أخرى؟ فوضى في البرمجة، وارتباك في القرارات، وشكاوى لا تنتهي، ثم حلول ملغومة في نهاية الطريق.
– إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة هو أن تتعايش مع الفشل حتى يصبح جزءاً من ثقافتها اليومية.
– وهذا تحديداً ما يجب أن يحذر منه اتحاد كرة القدم اليوم.
– فالأندية فقدت جانباً كبيراً من ثقتها، والجماهير سئمت من تكرار المشهد ذاته، والمنتخبات الوطنية لا يمكن أن تتطور في بيئة تفتقر إلى الاستقرار والاحترافية.
– لقد انتهى الموسم، لكن حسابه لم ينته بعد…. ومن حق الشارع الرياضي أن يعرف من المسؤول عن هذا الكم من الإخفاقات؟ ومن يحاسب من؟ وما هي الضمانات التي تمنع تكرار ما حدث؟.
– أما إذا استمرت الأمور على النهج نفسه، فلن يكون الموسم المقبل سوى نسخة أخرى أكثر تعقيدا من هذا الموسم .
– مزيد من الأزمات، ومزيد من القرارات المرتجلة، ومزيد من الخسائر التي تدفع ثمنها الأندية والجماهير، بينما تظل كرة القدم السودانية هي الخاسر الأكبر.











