بلا ميعاد | عوض أحمد عمر
في واحدة من أكثر قضايا الموسم إثارةً للجدل، أعادت لجنة الاستئنافات تأكيد قرارها السابق بعدم قانونية مشاركة لاعب المريخ «قلق» في مباراة الفريق أمام أهلي مروي، وهو قرار يستند بوضوح إلى نصوص ولوائح لا تحتمل التأويل، ولا تقبل المساومة أو التحايل أو أنصاف الحلول.
ورغم وضوح الحكم القانوني وحجيته، إلا أن طريقة التعاطي مع القضية كشفت أزمة أعمق في الوعي الرياضي، وأعادت طرح أسئلة مؤلمة حول احترام القانون، وأخلاقيات المنافسة، وحدود التدخل الإداري في الشأن العدلي داخل منظومة كرة القدم السودانية.
القضية في جوهرها تتمثل في لاعب لم تكتمل إجراءات تسجيله كاملة وفق ما تنص عليه اللوائح، وتم إشراكه في مباراة رسمية، فكان من الطبيعي أن تتحمل الجهة المخطئة تبعات الخطأ كاملة.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن طبيعيًا على الإطلاق؛ إذ اتجه الغضب – خاصة من جانب المريخ وأنصاره – نحو لجنة الاستئنافات التي التزمت بتطبيق القانون، بينما جرى تجاهل الأصل الحقيقي للأزمة، والمتمثل في خطأ إداري فادح ارتكبته إدارة المريخ وقطاعه الرياضي.
كان الأولى بمن شعروا بالظلم أن يوجّهوا غضبهم إلى من وضع الفريق في هذا المأزق، لا إلى لجنة أدت واجبها كما ينبغي.
ويبقى التمسك بالنتيجة وتجاهل الأسباب نهجًا معوجًا من نوع «هات من الآخر»، يهدم العدالة الرياضية، ويحوّل المنافسة إلى صراع مصالح ومنافع وانتماءات وردّ جميل، لا علاقة له بالقانون.
فخسارة نقاط المباراة لم تكن مؤامرة – كما يتوهم البعض – بل نتيجة طبيعية لخطأ إداري واضح، ويكفي أن المدرب محسن سيد قد دفع ثمن هذا الخطأ بالإعفاء القسري من منصبه.
لكن الأخطر في هذه القضية، بل الكارثة الحقيقية، لم يكن سحب النقاط أو غضب أنصار الأحمر، وإنما ما كشفه الإعلامي شمس الدين الأمين في بث مباشر ، حين تحدث عن كواليس صادمة مفادها أن رئيس اتحاد الكرة ونائبه (عدا واحد) قد تواصلوا مع مجلس المريخ، معربين عن دهشتهم من قرار لجنة الاستئنافات، ومؤكدين أن القرار غير قانوني، وأن النقاط ستعود للمريخ.
ولم يكتفِ شمس الدين بذلك، بل أطلق تحديًا علنيًا مطالبًا بنفي هذه المعلومات إن لم تكن صحيحة.
وهنا نكون أمام كارثة حقيقية، تتجاوز حدود مباراة ونقاط، إلى صميم القيم وأخلاقيات اللعبة وعدالة المنافسة.
ما معنى أن يشكك رأس الهرم الكروي في قرار لجنة عدلية مستقلة؟ وأي رسالة ستصل إلى الأندية والجماهير حين يصبح القانون محل مساومة واتصالات جانبية؟ وهل هناك ما هو أخطر على كرة القدم من تقويض الثقة في مؤسساتها العدلية؟
الآن يقف الدكتور معتصم جعفر أمام امتحان ضمير حقيقي، وللتاريخ.
إما أن يخرج للرأي العام وينفي صراحة هذه الاتهامات الخطيرة، حفاظًا على ماء الوجه، وإعادةً للثقة في اتحاد الكرة ولجانه، أو – إن ثبتت صحة ما قيل – فإن الاستقالة تصبح واجبًا أخلاقيًا قبل أن تكون خيارًا إداريًا.
فالمناصب تكليف لا تشريف، وأمانة لا تحتمل العبث، وكرة القدم السودانية تستحق أكثر من أن تُدار بالهاتف، وبعصبية الانتماء، ودفن الأمور ليلًا.
▪️ آخر الكلم ▪️
قضية لاعب المريخ محل الشكوى «قلق» لم تعد مجرد خطأ إداري، أو نقاط مباراة سُحبت وانتهى الأمر، بل تحولت إلى امتحان مكشوف لمدى احترام القانون وصون القيم وأخلاقيات الرياضة.
فاستقلالية اللجان العدلية ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي أو لتزيين الخطاب، بل هي صمام الأمان الحقيقي لعدالة المنافسة، وضمان ثقة الجماهير في المنظومة الكروية بأكملها.
وأي استهداف أو تشكيك في قرارات هذه اللجان، أو تدخل خارج الأطر القانونية، لا يفتح الباب للفوضى فحسب، بل يهدم ما تبقى من مصداقية، ويكرّس منطق المصالح على حساب العدالة.
اليوم، وبكل وضوح، الكرة في ملعب مجلس إدارة اتحاد الكرة:
إما الخروج للرأي العام بتوضيح شفاف يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي، أو تحمّل المسؤولية الأخلاقية كاملة، حتى وإن استدعى ذلك قرارات شجاعة تصل إلى حد الاستقالة الجماعية.
فغياب الوضوح والمحاسبة لا يضر ناديًا بعينه، بل يهزم أساس المنافسة، ويزرع الشك في نفوس الجميع.
وحماية سمعة الكرة السودانية لا تتحقق بالشعارات والكلام المعسول، بل باحترام اللوائح، وترسيخ الشفافية، والاعتراف بالأخطاء ومعالجتها بدل القفز فوقها.
إلى متى؟ سؤال… والقلب تخنقه الإجابة.
Omeraz1@hotmail.com












