تباشير
د.وليد محجوب
ربما لا تغمرنا الحيرة عندما نتساءل عن سبب تسابق الناس على اختيار تخصصات بعينها لأبنائهم. فما دعا الآباء والأمهات لسلوك نهج معين في الحياة لا يختلف عن دواعي تهافتهم نحو كليات دون الأخرى.
فالبحث عن الوجاهة و (المنجهة والفشخرة) هي من أبرز المظاهر السلوكية في المجتمع السوداني. حيث أنها ترتبط بالرغبة في كسب احترام المجتمع من خلال تأكيد القدرة المادية كما في حفلات الزواج الباهظة، وصيوانات المآتم الفاخرة، ولو كان ذلك على حساب مقدراتهم المالية الحقيقية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى التباهي في الملبس، والحلي الذهبية، والعربات المؤكِّدة على علو الكعب، ولو كانت عربة صُمِمت للنقل فتحولت (بقدرة قادر) لأحد مظاهر (المنجهة). ويصل هذا السلوك إلى ذروته حين الاستطاعة على الانتقال للسكن في أحد الأحياء الموصوفة بأنها راقية، وإن جافتها عربات نقل النفايات، ولم يعفها مهندس قطع الكهرباء من برمجة غياب التيار عنها لساعات طوال.
وحتى تكتمل (الوجاهة) لابد للابن أو الابنة من دخول كلية الطب أو الهندسة، حتى يتزين الوالدين بألقاب (أبو الدكتور وأم المهندسة) من باب الفشخرة في المقام الأول. ألقابٌ إجتماعية ما زالت تتحكم في مستقبل الصبية رغم عدم قدرتها على تحقيق حياة كريمة لهم كما كانت تفعل في السابق. والأدهى والأمر أن تتحق (الفشخرة) ضد رغبة الأبناء والبنات. حيث توأد أحلامهم، ويُلبسونهم أزياء تُضيِّق عليهم طعم الحياة.
وكما تقلد الأم جاراتها وقريباتها في شراء ملايات كانون الأمريكية آخر موديل، حتى لو لم تكن بحاجة لها. ويقلد الأب أصدقاءه في الركوز عند (البطان)، ويرضى بالسياط وهي تلهب ظهره من أجل زغاريد النساء، وأن يوصف بالرجولة، يأتي تقليد الأبناء والبنات بعضهم البعض من ذات نبع التقليد الأعمى لعادات أهلهم ضارة. فلأن أحدهم اختار مادة الحاسوب في الشهادة السودانية مثلاً، لرغبته في دراسة البرمجيات، يخوض رفاقه تريند هذه الأيام، ويقلِّدونه بوعي أو بلا وعي. فيرسمون ملامح مستقبلهم بريشة غيرهم.
ثم تأتي الطامة الكبرى، وهي اختيار التخصصات الجامعية دون دراسة حاجة سوق العمل لها، في زمان يتقلب بسرعة جنونية. ففي زمان الذكاء الاصطناعي ستموت مهن وتحيا أخرى، ومع ذلك ما زالت تحكم عقلية الهاتف الأرضي العتيق اختيارات مسارات الجامعة. ولن تدرك الأسر فداحة خطئها إلا بعد فوات الأوان. حين ينضم فلذات أكبادهم إلى مجموعة عطالة الحي ومدمني الجلوس عند ستات الشاي.
إن الهوس بألقاب (دكتور) و(باشمهندس) و(رجل أعمال) وتضخيمها في تعاملاتنا اليومية من باب الوجاهة والمنجهة، لا يبني وطن ولا يُأسس لحياة شخصية كريمة. بل يكرس لعادات ضارة تُضاف لمجموعة العادات والتقاليد المُكبلة لحياتنا باسم المظهر اللائق أمام الآخرين.
وحتى نخرج من هذا النفق المظلم، لابد لنا من مراجعة سلوكنا في اختيار تخصصات أبنائنا وبناتنا. لابد لنا من تشجيعهم على اتباع شغفهم حتى ولو اختلفنا معهم في اختياراتهم، التي ستشكل ملامح حياتهم، لا حياتنا نحن. فإن كان اختيارهم مصدر سعادة لهم سنسعد معهم، ولكن إن كان مصدر تعاسة لهم، سنقطف ثمار (الوجاهة) وسيحصدون أشواك التعاسة في رحلة عمرٍ لن يتسع لإعادة التجربة مرةً أخرى.












