نقطة سطر جديد
عباس الماحي
نستقبل شهر رمضان المعظم، ذلك الموسم الرباني الذي تتنزل فيه الرحمات، وتصفو فيه القلوب، وتُفتح فيه أبواب السماء للدعوات الصادقة. إنه شهر القرآن والصيام والقيام، شهر العتق من النيران، الذي جعله الله محطة إيمانية عظيمة لتجديد العهد معه سبحانه، وتطهير النفوس، وإحياء معاني الصبر والإحسان.
في رمضان تتبدل الموازين؛ فيرتقي الإنسان فوق شهواته، ويتحرر من أسر عاداته، ويتعلم ضبط النفس، ويذوق حلاوة القرب من الله. ليس الصيام امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو صيام للجوارح عن المعاصي، وللألسن عن الأذى، وللقلوب عن الضغائن. إنه مدرسة إيمانية متكاملة، تتضاعف فيها الحسنات، وتُمحى السيئات، وتسمو فيها الأرواح.
وفي هذا الشهر الكريم، تتعاظم المسؤولية تجاه من أنهكتهم الحاجة وأثقلتهم الظروف. فمدّ يد العون للمحتاج، ومواساة الضعيف، وبذل الخير للمحروم، ليست تفضلاً ولا منّة، بل عبادة عظيمة نتقرب بها إلى الله. كم من صدقة خفية رفعت بلاء، وكم من كلمة طيبة أزاحت همًّا، وكم من بسمة صادقة كانت سببًا في تفريج كربة. إن بذرة الخير، وإن بدت صغيرة، فإنها عند الله عظيمة، تنمو وتثمر وتظل صاحبها يوم لا ظل إلا ظله.
ورمضان شهر التسامح قبل أن يكون شهر الصيام؛ موسم تصفية القلوب من أدران الخصومة، وتطهير النفوس من غبار الأحقاد. ما أجمل أن نستقبله بقلوب بيضاء، لا نحمل فيها ضغينة لأحد. إن المبادرة بالعفو ليست ضعفًا، بل قوة إيمان ونبل أخلاق. وكم من قطيعة أنهتها كلمة صادقة في رمضان، وكم من خلاف أصلحه عفو كريم. لنقل بصدق: عفوت، سامحت، تجاوزت… لوجه الله.
ومن المؤلم أن تُقضى ليالي رمضان – وهي نفحات ربانية عظيمة – في لهو طويل وسهرٍ بلا طائل، بينما الليل ميدان سباق إلى الطاعات. هذه الليالي قد لا تتكرر، وقد لا نبلغ رمضان آخر. فليكن سهرنا ذكرًا بدل غفلة، وتلاوة بدل لغو، وصحبة صالحة تعين على الطاعة بدل صحبة تجر إلى التهاون. ليس المقصود حرمان النفس من كل مباح، بل ألا يسرق المباح أعظم الفرص.
والتكافل في رمضان لا يقتصر على موائد الإفطار، بل يشمل التكافل المعنوي أيضًا؛ أن نستمع لمهموم، وندعو لمريض، ونرعى يتيمًا، ونصلح بين متخاصمين. فالمجتمع الذي يتراحم أفراده مجتمع تحفه البركة وتظله الطمأنينة.
فلنغتنم أيام هذا الشهر الفضيل، ولنزرع بذور الخير في كل موضع: بالكلمة الطيبة، وبالصدقة الخفية، وبالدعاء الصادق، وبالابتسامة التي تُحيي الأمل، وبالعفو الذي يرمم القلوب. أعظم الخسارة أن يمر رمضان دون أن تتغير قلوبنا، أو أن نخرج منه كما دخلنا.
رمضان ليس أيامًا معدودة، بل محطة تجديد وفرصة تصحيح وبداية عهد جديد مع الله ومع النفس ومع الناس. فمن أحسن اغتنامه ربح ربحًا عظيمًا، ومن فرّط فيه فوّت على نفسه كنوزًا لا تُقدّر بثمن.
ازرع اليوم بذرة خير صادقة، فقد تكون سببًا في سعادة إنسان، أو إصلاح بيت، أو هداية قلب، أو تفريج كربة. ولعل تلك البذرة تتحول يوم القيامة إلى شجرة وارفة الظلال نستظل بها حين تدنو الشمس.
فاجعلوا من رمضان نقطة انطلاق نحو حياة أصفى، وقلوب أرحم، وأيادٍ أكثر عطاء. ازرعوا الخير بصدق، واسقوه بالإخلاص، وتعاهدوه بالاستمرار بعد رمضان، لتحصدوا بركته في أعماركم، ونورًا في قلوبكم، ورفعةً في درجاتكم يوم تلقون الله بقلب سليم.












