على حافة الضوء
د. عمار برهان
يحمل الآباء السودانيون رصيداً واسعاً من التجارب، فقد تعلّم كثيرون منهم الصبر، واحترام الكبير، والتكافل، وتحمل المسؤولية في ظروف اجتماعية واقتصادية شاقة، ومن الطبيعي أن يرغب الأب والأم في حماية أبنائهما بالطريقة التي حمتهم، وأن يقدما لهم المسار الذي عرفاه واطمأنا إليه، غير أن المحبة حين تتحول إلى قالب جاهز قد تضيق مساحة النمو، فيجد الابن نفسه مطالباً بأن يكرر تخصص والده ومهنته، وطريقته في التفكير، وحتى مخاوفه واختياراته.
كل طفل يصل إلى الحياة حاملاً استعداداً فريداً ثم ينشأ في زمن له لغته وأسئلته وأدواته، فالجيل الذي يكبر اليوم يتعامل مع معرفة متدفقة وتقنيات متجددة ومهن تتبدل، وثقافات تتجاور في المدرسة والعمل والفضاء الرقمي، وهذه البيئة تحتاج إلى عقل ناقد وقدرة على التعلم المستمر، ومرونة في التواصل وشجاعة في التجربة، لذلك تصبح التربية الحكيمة جسراً بين خبرة الأسرة ومتطلبات العصر بحيث تمنح الطفل جذوراً أخلاقية راسخة، وتفتح أمامه طرقاً متعددة لصناعة مستقبله.
ومن المفيد أن يفرّق الوالدان بين القيمة وصورتها العملية، فالاستقرار قيمة وقد يتحقق اليوم عبر مهارة قابلة للتطور أو مشروع مبتكر أو تخصص حديث، بينما المسؤولية قيمة، وتظهر أحياناً في جرأة الابن على اختيار مجال يناسب قدراته، والنجاح قيمة، وله صور تتجاوز المقارنة بالأقارب وتوقعات المجتمع، هذا التفريق يحفظ جوهر التربية، ويمنح الأبناء حرية ترجمة القيم بلغة عصرهم وواقعهم واحتياجات مجتمعهم المتجددة.
عبّر جبران خليل جبران في فصل (الأبناء) من كتاب (النبي) عن معنى بالغ العمق فالأبناء يعبرون إلى الحياة من خلال والديهم ويحصلون منهم على الحب، ثم تتجه أفكارهم نحو غدهم الخاص، هذه الرؤية تضع الأبوة في مقام الرعاية والأمان والإلهام، وتمنح شخصية الطفل حقها في التفتح، الأب الناجح يقدم البوصلة، ويترك للابن مهمة اختيار الطريق، ويراقب خطواته بقلب حاضر وعقل متزن، ويرى الفيلسوف التربوي جون ديوي أن التعليم عملية نمو متصل، وأن الخبرة تصبح ذات قيمة حين تتسع وتتصل بالحياة. ومن هذا المنظور، يحتاج البيت إلى أن يكون مساحة للأسئلة والملاحظة والعمل، بدلاً من الاكتفاء بتسليم الأبناء إجابات قديمة، سؤال الطفل فرصة لبناء عقله، وخطؤه فرصة لتدريب حكمه، ومحاولته المستقلة خطوة نحو النضج. وحين يسمع الوالدان أفكار أبنائهما بجدية، يتعلم الأبناء احترام أنفسهم واحترام الآخرين، أما جان بياجيه فربط الفهم بالابتكار، ورأى أن غاية التربية تكوين أشخاص قادرين على صنع أشياء جديدة، وتؤكد ماريا مونتيسوري أن نمو الطفل يسير عبر مراحل متتابعة من الاستقلال، وأن دور الراشد مساعدته على الفعل والاختيار والتفكير بذاته، ويضيف باولو فريري بعداً مهماً حين يجعل الحوار تعلماً متبادلاً، يقوم على احترام الصوت الإنساني ومراجعة الافتراضات وتكوين معرفة جديدة وتلتقي هذه الأفكار عند حقيقة واحدة: الشخصية تنمو بالمشاركة والمسؤولية والثقة.
في السياق السوداني، تزداد أهمية هذا الفهم بسبب قوة الروابط الأسرية ومكانة الجماعة والحرص على السمعة والتقاليد، ويمكن لهذه القيم أن تصبح مصدراً عظيماً للأمان والانتماء حين تقدم بصورة مرنة، فاحترام الأسرة ينسجم مع حرية الاختيار، والاعتزاز بالهوية ينسجم مع الانفتاح الثقافي، والوفاء للتقاليد ينسجم مع تطوير ما يحتاج إلى تجديد والمعيار الأهم هو أثر القيمة في إنسانية الابن وقدرته على العيش الكريم وخدمة مجتمعه.
يبدأ التغيير من ممارسات بسيطة مثل الإصغاء قبل إصدار الحكم، ومناقشة أسباب القرار، وإتاحة خيارات مناسبة للعمر، وتشجيع القراءة والتجربة، واحترام اختلاف الميول بين الإخوة، وفصل أحلام الوالدين عن مواهب الأبناء، كما يحتاج الأب إلى مراجعة العبارة الشائعة (نحن أدرى بمصلحتك) وتحويلها إلى حوار يشرح الخبرة ويستقبل رأي الابن، بهذه الطريقة تنتقل الحكمة من جيل إلى جيل من غير أن تتحول إلى قيد.
أجمل ما يقدمه الآباء لأبنائهم هو هوية تمنحهم الثبات، وقيم توجه ضمائرهم، وثقة تساعدهم على دخول زمنهم بوعي، فالابن امتداد للحياة، وصاحب رسالة تتشكل من موهبته وظروف عصره، وحين يسمح الآباء له بأن يكون ذاته، فإنهم يربون إنساناً أصيلاً يحمل السودان في قلبه، ويمتلك في الوقت نفسه الأدوات التي تجعله قادراً على فهم العالم والمساهمة في بنائه.













