بلا ميعاد
عوض أحمد عمر
▪️
- عندما يخرج مسؤول مريخي سابق، شغل من قبل منصب نائب رئيس النادي، ليعلن بوضوح أن المريخ حقق في انتخابات الاتحاد السوداني لكرة القدم ما لم يحققه منذ تأسيسه، ثم يفسر ذلك بالسيطرة على مجلس الإدارة واللجان، وبأن المريخ أصبح هو الفعل، بينما لا تملك الأندية الأخرى سوى رد الفعل، فإن هذا الحديث لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد حديث مجالس أو مباهاة بانتصار انتخابي.
- هذا التصريح، في حقيقته، يضع نزاهة الاتحاد السوداني لكرة القدم ولجانه أمام اختبار حقيقي، ويفتح الباب واسعاً أمام أسئلة مشروعة تتعلق باستقلالية القرار، وعدالة المنافسة، وقدرة الأندية الأخرى على الحصول على حقوقها أمام مؤسسة يعلن أحد الأطراف أنه يسيطر على مفاصلها.
- ثم تكتمل دائرة التساؤلات وتتسع مساحة الشكوك باختيار صاحب التصريحات نفسه مستشاراً للاتحاد.
- المشكلة لا تكمن فقط في أن قيادياً مريخياً يتباهى بهذه السيطرة، وإنما في أن الوقائع والقرارات اللاحقة باتت تمنح هذا الحديث ما يعززه، وتحوله من مجرد تصريح إلى قرينة، ثم إلى وقائع لا يجوز تجاهلها.
- فعندما تصدر قرارات تتعارض مع المنطق القانوني، وتتجاوز المبادئ المستقرة في لوائح كرة القدم، يصبح من حق الهلال وجماهيره، بل ومن حق كل المهتمين بعدالة المنافسة، أن يتساءلوا: هل تحكم لجان الاتحاد وفقاً للقانون واللوائح، أم وفقاً لموازين النفوذ الانتخابي والانتماء واللون الرياضي؟
- قرار لجنة الاستئنافات في قضية لاعبي الهلال المجنسين لا يمكن عزله عن هذا السياق.
- فالقرار لم يعتبر الهلال مهزوماً وحده، وإنما هزم القانون والمنطق، وأصاب قيم الممارسة الإدارية الرشيدة في مقتل.
- لقد أعاد القرار إنتاج الخلط بين أهلية اللاعب لتمثيل المنتخب الوطني، وأهليته للمشاركة مع ناديه في المسابقات المحلية، رغم أن لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم تفرق بوضوح بين الجنسية القانونية التي تمنحها الدولة وفق تشريعاتها، والجنسية الرياضية التي تنظم حق اللاعب في تمثيل المنتخب الوطني.
- شروط تمثيل المنتخبات وُضعت لحماية نزاهة المنافسات الدولية، ومنع انتقال اللاعبين بين المنتخبات دون وجود روابط حقيقية، ولم توضع لتنظيم مشاركة اللاعبين مع الأندية في المسابقات المحلية.
- ولا يوجد في لوائح الفيفا نص يقول إن اللاعب الذي يحمل جنسية الدولة قانوناً، لكنه لا يستوفي شروط تمثيل منتخبها، يجب أن يعامل لاعباً أجنبياً في مسابقات الأندية.
- كما أن الفيفا لا تصدر شهادة أهلية لكل لاعب مجنس حتى يشارك مع ناديه، ولا تشترط موافقتها المسبقة على تسجيله أو مشاركته في الدوري المحلي.
- ولعل السؤال القانوني الذي كان يجب أن يكون حاضراً أمام لجنة الاستئنافات ليس: هل يحق للاعب تمثيل المنتخب السوداني؟ وإنما: هل يحمل اللاعب الجنسية السودانية؟ وهل جرى تسجيله وفقاً للوائح الاتحاد؟ وهل اعتمد الاتحاد نفسه مشاركته في المسابقات الرسمية؟
- إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فإن معاملة اللاعب باعتباره أجنبياً تحتاج إلى نص صريح وواضح، لا إلى تفسير موسع لمادة وضعت أصلاً لتنظيم شأن مختلف تماماً.
- الأخطر من القرار نفسه هو صمت مجلس الهلال أمام اتحاد بات، في نظر الكثيرين، أقل من لجنة مساعدة لنادٍ بعينه.
- فالصمت أمام تجاوز بهذه الخطورة لا يحمي حقوق الهلال، ولا ينسجم مع مكانته وتاريخه وحجم جماهيره.
- كان ينبغي على مجلس الهلال أن يتعامل مع تصريحات نائب رئيس المريخ السابق باعتبارها قضية مبادئ وعدالة ونزاهة مؤسسية، لا أن يتركها تمر بلا موقف واضح، خاصة بعد أن جاءت قرارات اللجان لتثير المزيد من الشكوك حول طبيعة العلاقة بين النفوذ الانتخابي والقرار القانوني.
- الآن بات واجباً على مجلس الهلال أن يبادر فوراً إلى الطعن في القرار، وأن يتجه إلى محكمة التحكيم الرياضية «كاس»، بعد استيفاء جميع الشروط الإجرائية والزمنية.
- اللجوء إلى «كاس» يمنح الهلال فرصة حقيقية لنقل النزاع من بيئة محلية أصبحت موضع شك، إلى جهة قضائية رياضية دولية تنظر في النصوص، وصحة الإجراءات، واختصاص اللجان، وتسبيب القرارات، ومدى توافق اللوائح الوطنية مع قواعد الفيفا والمبادئ العامة للقانون الرياضي.
- وعلى الهلال أن يقدم ملفاً قانونياً متكاملاً يوضح الفصل بين أهلية المنتخب وأهلية النادي، ويثبت صحة جنسية اللاعبين، وسلامة تسجيلهم، واعتماد مشاركاتهم، ويستند كذلك إلى حكم المحكمة الدستورية السودانية الذي أكد عدم جواز التمييز بين المواطنين في الحقوق الداخلية متى ثبتت الجنسية السودانية.
- هذه القضية يجب أيضاً أن تكون في مقدمة البرامج الانتخابية للمترشحين لقيادة الهلال.
- فالمطلوب ليس مجلساً يجيد إصدار البيانات بعد وقوع الضرر، وإنما قيادة قادرة على مواجهة الاتحاد الأحمر المنحاز، وحماية النادي داخل المؤسسات المحلية والدولية.
- كما ينبغي للجمعية العمومية للهلال أن تجعل الدفاع عن حقوق النادي، ومواجهة اختلالات الاتحاد، مطلباً أساسياً عند اختيار المجلس القادم.
- فالهلال لا يحتاج إلى إدارة تصمت أمام القرارات المجحفة، بل إلى مجلس يدرك أن حماية الحقوق لا تقل أهمية عن التعاقد مع اللاعبين والمدربين، بل تتجاوز ذلك أهمية.
▪️ آخر الكلم ▪️
- الاتحاد الذي يسيطر عليه نادٍ واحد يفقد حياده، واللجنة التي تنقل أحكام أهلية المنتخبات إلى مسابقات الأندية تهزم القانون قبل أن تهزم الخصم.
- وإذا كان المريخ قد نجح في السيطرة على الانتخابات واللجان، فإن على الهلال أن ينجح في استعادة حقه بالقانون، وأن يعيد الوعي إلى الكرة السودانية من خلال اختيار قيادات تعرف حدود التكليف وموجباته، وتدرك أن أمانة المسؤولية تبدأ بحماية حقوق الأندية عامة، بلا تمييز.
- الصمت لم يعد مقبولاً، والتردد لم يعد له ما يبرره. وعلى مجلس الهلال أن يتجه إلى «كاس»، لا دفاعاً عن لاعبيه فحسب، وإنما دفاعاً عن عدالة المنافسة، وحقوق النادي، ومستقبل الكرة السودانية.
- ولتبدأ صيحة الحق.. صيحة جماهير الهلال الغالبة، بأن يُكنس هذا الاتحاد إلى غير رجعة.
Omeraz1@hotmail.com













