عبد العزيز الجعلي
وفي بلادٍ لا تمنح الثبات مجانًا، تُقاس سِيَر الرجال بقدرتهم على البقاء واقفين حين تميل الأرض تحت أقدامهم.. هناك في الشمال حيث يقف جبل البركل منذ آلاف السنين، لا بوصفه معلمًا جغرافيًا فحسب، بل كذاكرةٍ للهيبة والصمت، تتقاطع استعارة المكان مع سيرة رجلٍ اختار أن لا ينحني..
بروفيسور كمال شداد- متعه الله بالصحة والعافية- ليس مجرد إداري في تاريخ الرياضة السودانية، بل شخصية مركّبة تشكّلت عند تقاطع العلم والفلسفة والإدارة والقيم.. هو أكاديمي متخصص في التربية البدنية، وامتدت خلفيته الفكرية إلى دراسة الفلسفة، ما منحه رؤية تتجاوز إدارة الرياضة إلى التفكير في “فلسفة المؤسسة” ذاتها، كيف تُبنى، وكيف تحافظ على معناها الأخلاقي وسط كل التحولات..
شغل البروفيسور شداد مواقع مؤسسية بارزة في قلب المنظومة الرياضية السودانية، أبرزها رئاسة الاتحاد السوداني لكرة القدم في فترات مختلفة، كما تولى مسؤوليات قيادية داخل اللجنة الأولمبية السودانية، ليصبح حاضرًا في أعلى هرم الإدارة الرياضية الوطنية.. وعلى امتداد مسيرته، كان له حضور في فضاءات رياضية إقليمية ودولية، عبر تفاعل مع هياكل ولجان تُعنى بحوكمة الرياضة واستقلال مؤسساتها..
ومن أسرةٍ عُرفت بالعلم والاتزان، خرج البروف يحمل في داخله فكرة واضحة، أن المؤسسات لا تُدار بالعاطفة، وأن القيم لا تُساوَم تحت ضغط اللحظة، لكن ما يميز هذه الشخصية ليس فقط مواقعها، بل المنظومة الأخلاقية التي تحكمها، وهي الصدق في الموقف والوضوح في القرار والكرم “الحاتمي” الذي ظل جزءًا من حضوره الإنساني بعيدًا عن الأضواء..
وفي تجربة بروف شداد، لا تبدو الصرامة نقيضًا للإنسانية، بل امتدادًا لها.. كان يرى أن القانون، حين يُطبَّق بلا استثناء، ليس قسوة، بل حماية للعدالة من التآكل.. ومن هذا المنظور، لم تكن قراراته محاولةً للهيمنة، بل سعيًا لتثبيت فكرة النظام في بيئة تميل إلى الاستثناءات..
لكن خلف هذه الصرامة، كان هناك بعد إنساني لا يقل حضورًا، وإن كان أقل ضجيجًا.. فهو رجل يُعرف بالحزم في إدارة الملفات، ويُعرف في الوقت ذاته بكرمٍ شخصي “حاتمي”، وبسلوك بسيط في تعامله مع الناس، لا يفصل فيه بين الموقع والمسؤولية وبين الأخلاق اليومية..
في هذا التوازن بين الحزم والكرم، تتشكل شخصية لا يمكن اختزالها بسهولة.. فهو ليس رجل قرار فقط، بل رجل قيمة؛ يجمع بين صرامة الإدارة ونُبل التعامل، وبين وضوح الموقف ودفء الإنسان..
في مسار بروف شداد، لم تكن كرة القدم مجرد لعبة، بل ساحة اختبار لفكرة أوسع، هل يمكن للمؤسسات أن تحافظ على استقلالها في بيئة تتداخل فيها السياسة مع كل شيء؟
منذ بداياته داخل الاتحاد السوداني لكرة القدم، تبنّى الدكتور موقفًا ثابتًا، وهو أن الرياضة تُدار بمنطقها الداخلي، لا بمنطق القوة خارجها.. هذا الموقف وضعه في حالة توتر مستمر مع محاولات التأثير السياسي، لكنه ظل متمسكًا بفكرة أن شرعية المؤسسات تأتي من لوائحها، لا من توازنات القوة حولها..
وفي هذا السياق، استند إلى المرجعية الدولية التي يمثلها الاتحاد الدولي لكرة القدم، لكن جوهر موقفه لم يكن قانونيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا: أن استقلال المؤسسة هو شرط لعدالة اللعبة نفسها..
ويبقى حضوره امتدادًا لفكرةٍ لا تُختزل في منصب أو موقف، بل تُقرأ كطريقة في فهم المعنى حين يصبح الالتزام موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون إداريًا، وكأن الثبات في حضوره، ليس صلابة فقط، بل وعيٌ عميقٌ بما يستحق أن يظل قائمًا..
نسأل الله أن يمدّ في عمر البروف كمال شداد بالصحة والعافية، وأن يحفظ له أهله وبيته، ممتدةً بالتحايا إلى ابنته ” آمنة الريان” وزوجته، تقديرًا لمعنى الأسرة التي تقف خلف كل حضورٍ إنساني كبير..
ختاماً شكراً جميلاً إلى الأخ والصديق الوفي الأستاذ إبراهيم عوض، وإلى صحيفته الغراء “آكشن سبورت”، بما تمثله من صوتٍ صادقٍ وأمين، وإلى كل الزملاء فيها، تقديرًا لمساحةٍ تُكتب فيها الكلمة بمسؤولية، ويُحترم فيها القارئ والحقيقة..











