تباشير
دكتور وليد محجوب
ما إن تنقشع سحابة الحرب الدائرة في السودان، كاشفةً عن جراح عميقة أرهقت السودانيين لأعوامٍ عِجاف، حتى تبرز الحاجة المُلِحَّة إلى إعادة ترتيب أولويات التنمية وتضميد الجراح. عندها ستتجه الأبصار نحو السبيل الأنجع لتحقيق ذلك، ثم ترجع الأبصار كَرَّتَيْن لتُدرك أن عصب التنمية ليس في كليات الطب والهندسة وحدها – قِبلة الطلاب وحلم الآباء والأمهات – بل في المدارس الفنية حيث يتم تأهيل العُمال المَهَرَة في مختلف المجالات، وفي المعاهد التقنية والمهنية – مصنع الفنيين البارعين، والذين هم ركيزة التنمية في كل الدول ووقودها المحرك.
يظل التعليم الفني والمهني في مقدمة أدوات النهوض وإعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي في كل الدول دون استثناء. وذلك لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما تُبنى بالكفاءات والمهارات والقادرة على أداء مهامها بإتقانٍ عالٍ، وهذه جميعها مخرجات طبيعية للمدارس الفنية ومراكز التدريب المهني والكليات المهنية المتخصصة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن النهضة الصناعية والزراعية والخدمية تبدأ من الاستثمار في الإنسان المؤهل فنياً ومهنياً. فالفني الماهر والتقني المُدَرَب يمثلان العمود الفقري للمشروعات الإنتاجية والبِنْيَة الأساسية والمؤسسات الخدمية. وفي بلد مثل السودان، يمتلك موارد طبيعية هائلة وفرصاً واسعة في مجالات الزراعة والتعدين والصناعة والطاقة، فإن الحاجة إلى كوادر فنية مؤهلة أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
لذلك نجد أن تخريج آلاف الفنيين بدرجة الدبلوم غير القابلة للترفيع في تخصصات الكهرباء والميكانيكا والإنشاءات وتقنيات الزراعة والصناعات الغذائية وتقنية المعلومات، من شانه أن يسُد الفجوة الكبيرة في سوق العمل، ويقلل الاعتماد على الخبرات الأجنبية، كما سيفتح أبواباً رَحْبَة أمام الشباب للحصول على فرص عمل كريمة بِدُخول مُرضية داخل البلاد وخارجها.
ومن الأهمية بمكان أن تحظى المدارس الفنية ومراكز التدريب المهني بالدعم الحكومي والمجتمعي اللازم، من خلال تحديث المناهج، وتوفير الورش والمعامل الحديثة، وربط التدريب باحتياجات سوق العمل الفعلية. كما يجب تعزيز الشراكات بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص لضمان تأهيل الخريجين وفق أرقى المعايير المهنية. غير أن الخطوة الأكثر حساسية وأهمية هي توعية أولياء الأمور بأهمية التدريب المهني حتى يشجعوا أبناءهم على الانخراط فيه.
إن السودان الذي يتطلع إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية يحتاج إلى بناء دولة تحكمها مؤسسات قوية وفعالة، وهذه المؤسسات لن تؤدي دورها دون كوادر فنية وإدارية مؤهلة تُعينها على تحقيق أهدافها. لذلك، فإن الاستثمار في التعليم الفني والمهني ليس مجرد خيار تنموي، بل هو ضرورة وطنية واستراتيجية لبناء الاقتصاد وتعزيز الإنتاج، وترسيخ ثقافة العمل والإتقان.
فالطريق إلى السودان الجديد يبدأ من الورشة والمعمل وقاعة التدريب، حيث يُصنع الإنسان القادر على تحويل الموارد إلى ثروة، والأفكار إلى مشاريع، والطموحات إلى واقع ينهض بالوطن ويؤسس لدولة المؤسسات والتنمية المستدامة.











