برنامج يثير الجدل… من الحياء المفرط إلى الجرأة الزائدة
هل أصبح الجدل طريقًا أسرع إلى المشاهدات؟
الترند أم الرسالة… معركة خفية في البرامج الحوارية
هل نحن مستعدون لمثل هذا النوع من المكاشفة
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
في كل موسم رمضاني تظهر برامج تحاول كسر الساكت، تدخل مناطق لم نعتد عليها، وتفتح أبوابًا كانت في السابق مغلقة. ومن بين هذه البرامج يبرز برنامج «التعويذة» الذي يقدمه الإعلامي أحمد دندش عبر قناة البلد.
البرنامج أثار جدلًا واسعًا؛ فهناك من يراه جريئًا ومختلفًا، بينما يراه آخرون مبتذلًا ومتجاوزًا، خصوصًا أنه يُبث في شهر رمضان.
أسئلة صادمة
«التعويذة» برنامج حواري، لكنه ليس حوارًا تقليديًا. لا يعتمد على المجاملات الكثيرة ولا الأسئلة المحفوظة. دندش يعتمد على أسئلة مباشرة وصادمة أحيانًا، ونبش في الحياة الشخصية للضيف، واستدعاء مواقف قديمة محرجة، وفتح ملفات عاطفية أو اجتماعية حساسة.
الضيف أحيانًا يضحك، وأحيانًا يتوتر، وأحيانًا يقع في مطب الإجابة، والكاميرا لا ترحم.
قصص مثيرة
في بعض الحلقات سُئل الضيوف عن أمور مثيرة؛ مثل سؤال الفنان سجاد بحري عن حمل شنطة مطربة مشهورة في بداياته، فردّ بطريقة ساخرة. كما تحدثت الشاعرة والصحفية داليا إلياس عن زيجاتها الثلاثة، وعن كتابتها باسم رؤساء التحرير أثناء سفرهم وغيابهم، وهو ما أثار ضجة في مواقع التواصل.
كما أثارت استضافة رجل الأعمال وراعي بعض الفنانات عزيز كوشي، إضافة إلى فقرات الودع وست الودع، تساؤلات حول طبيعة البرنامج: هل يقدم فائدة للمجتمع السوداني أم أنه مجرد برنامج «هايف»؟
جرأة أم محاكمة؟
أسلوب أحمد دندش يتسم بالجرأة والاستفزاز والمباغتة. فهو لا يترك الضيف يرتب أفكاره براحة، بل يقاطعه أحيانًا ويضغط عليه، ويعود للسؤال إذا شعر أن الضيف يلف ويدور.
وفي بعض الأحيان يستخدم نبرة فيها تحدٍ واضح. هناك من يرى أن هذا الأسلوب احترافي لأنه يستخرج اعترافات ومواقف صريحة، بينما يرى آخرون أنه أقرب إلى «محاكمة تلفزيونية» أكثر من كونه حوارًا إعلاميًا.
هل الهدف الترند؟
السؤال الأهم هنا:
هل الجرأة هدفها كشف الحقيقة؟
أم أن الهدف هو صناعة الترند والمشاهدات؟
خصوصية المجتمع
رمضان في المجتمع السوداني شهر مختلف، وليس شهرًا عاديًا في البرمجة التلفزيونية. الناس تكون جالسة مع الأسرة: الأم، والأب، والأطفال، والشباب.
وأي محتوى يُعرض في هذا الوقت يخضع لحساسية أكبر.
عندما تمس الأسئلة علاقات شخصية وزيجات وطلاقات ومواقف عاطفية وتفاصيل خاصة، قد تجد الأسرة السودانية نفسها في موقف حرج أمام الشاشة.
وهنا لا تكمن المشكلة في الجرأة نفسها، بل في التوقيت:
هل كل ما يمكن قوله خارج رمضان يمكن أن يقال في رمضان بالطريقة نفسها؟
تأثير البرنامج
علينا أن نكون واقعيين. أي برنامج جماهيري له تأثير، وهذا التأثير يظهر في عدة مستويات:
على مستوى اللغة:
الأسلوب الصريح جدًا قد يخلق نوعًا من التطبيع مع كشف الخصوصيات، وقد يرى الشباب ذلك أمرًا عاديًا، ويتعاملون مع حياتهم بنفس المكاشفة حتى لو كان ذلك على حساب القيم الاجتماعية.
على مستوى القدوة:
عندما يتحدث فنان أو شخصية عامة بسهولة عن تفاصيل شخصية جدًا، قد يعتبر البعض ذلك شجاعة، بينما يراه آخرون كسرًا للحواجز الأخلاقية.
على مستوى الإعلام:
إذا نجح البرنامج بالمشاهدات، فقد تتجه القنوات الأخرى إلى الاتجاه نفسه، بأسئلة أكثر جرأة وعناوين أكثر إثارة ومحتوى أقرب إلى الصدمة من الفكرة. وهنا قد ندخل في سباق إثارة بلا سقف.
الجانب الإيجابي
مع ذلك، لا بد من الإنصاف.
هناك جانب إيجابي لا يمكن تجاهله، وهو أن البرنامج كسر الجمود في الحوارات السودانية، وخرج من نمط الأسئلة المعلبة، وكشف جوانب إنسانية لدى بعض الضيوف.
أحيانًا تكون الصراحة مطلوبة، وأحيانًا يحتاج المجتمع أن يواجه نفسه. لكن الفرق كبير بين صراحة هادفة وصراحة بغرض الإثارة، وبين الحرية والمسؤولية.
الحرية في الإعلام
الإعلام لا يجب أن يكون وعظيًا طوال الوقت، لكنه أيضًا لا يجب أن يكون بلا ضوابط.
حرية التعبير قيمة عظيمة، لكن الحرية دون مسؤولية قد تتحول إلى فوضى.
في رمضان يبحث الناس عن السكينة والمعاني الروحانية والبرامج الهادفة. فهل يضيف «التعويذة» هذه المعاني للمشاهد، أم أنه يسير في خط مختلف تمامًا؟
أين المشكلة ؟
ربما علينا أن نطرح السؤال الأصعب:
لو لم يكن للبرنامج مشاهدون، هل كان سيستمر؟
الحقيقة أن الجدل نفسه يصنع النجاح. والمقاطع المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي تزيد من انتشار البرنامج، ما يعني وجود شراكة غير مباشرة بين صانع المحتوى والمتلقي.
وفي النهاية، الجمهور هو الذي يحدد قيمة البرنامج وجودته.
بين الجرأة والابتذال
تباينت الآراء حول برنامج «التعويذة» بشكل واضح؛ فهناك من يراه برنامجًا «لطيفًا»، بينما يرى آخرون أنه لا يقدم ما يستحق المتابعة ويصفونه بأنه من البرامج «السخيفة».
البرنامج في النهاية ظاهرة إعلامية تعكس تحولًا في الإعلام السوداني، من الحياء المفرط إلى الجرأة المفرطة، ومن المجاملات الطويلة إلى الأسئلة المفخخة.
سؤال مفتوح
السؤال ليس: هل البرنامج جيد أم سيئ؟
السؤال الأعمق هو:
هل نحن كمجتمع مستعدون لهذا النوع من المكاشفة ونشر الغسيل؟
وهل توقيت رمضان هو الأنسب لمثل هذه البرامج؟
رمضان شهر تهذيب للنفس قبل أي شيء، والإعلام في هذا الشهر لا ينبغي أن يكون معزولًا عن روحه العامة.
ليس كل جرأة مذمومة، وليس كل تحفظ فضيلة مطلقة. لكن بين الجرأة والابتذال خيط رفيع جدًا، والإعلام الذكي هو الذي يعرف كيف يقف في المسافة الصحيحة.
برنامج «التعويذة» فتح باب نقاش مهم حول حدود الحوار في السودان، وهذا النقاش في حد ذاته صحي.
لكن السؤال يبقى مفتوحًا:
هل نريد إعلامًا يصدمنا؟
أم إعلامًا يرفعنا؟
والقرار في النهاية… عند المشاهد.













