مَدَار الفَهْم | مَرَايَا النَّفْس
فهمي إبراهيم
حين تتحول المقارنة إلى سارقٍ خفيّ لرضانا عن أنفسنا
أحياناً لا تكون المشكلة في أن حياتنا ينقصها شيء، بل في أن أبصارنا معلقة بما يملكه الآخرون. نمضي أوقاتاً نحصي نعم غيرنا وننسى نعمنا، فنفقد متعة إنجازاتنا لمجرد أن شخصاً آخر حقق نجاحاً أكبر، ونشعر بالتأخر لأن أحدهم سبقنا في مسار مختلف.
قد تكون راضياً عن حياتك حتى تفتح هاتفك، فترى صديقاً اشترى منزلاً، وآخر سافر في رحلة، وثالثاً حقق نجاحاً مهنياً. فجأة تتسلل الأسئلة: لماذا لم أصل إلى ما وصلوا إليه؟ هل قصّرت؟ وهل حياتي أقل قيمة؟ وهنا تبدأ المقارنة في سرقة سلامك الداخلي.
يميل الإنسان بطبيعته إلى تقييم نفسه من خلال محيطه الاجتماعي، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المقارنة من وسيلة للتحفيز إلى أداة لجلد الذات. فنحن نرى نجاحات الآخرين ولا نعرف معاناتهم، ونشاهد ابتساماتهم دون أن ندرك ما وراءها من قلق وتحديات.
وقد ضاعفت وسائل التواصل الاجتماعي هذه الظاهرة، إذ تعرض أجمل اللحظات والصور، بينما تبقى الإخفاقات والديون والهموم بعيداً عن الأنظار. وهكذا نقارن واقعنا اليومي، بتفاصيله ومتاعبه، بلحظات استثنائية منتقاة من حياة الآخرين، ثم نتساءل لماذا لا نعيش مثلهم.
وفي مجتمعنا تتجلى المقارنة بأشكال مختلفة؛ فقد يمتلك شخص أسرة محبة وصحة جيدة وعملاً مستقراً، لكنه يشعر بالنقص لأن غيره يملك سيارة أحدث أو منزلاً أكبر. وقد يحبط شاب بدأ مشروعه من الصفر لأن زميله حقق نجاحاً أسرع، متناسياً اختلاف الظروف والفرص.
والحقيقة أن الحياة ليست سباقاً موحداً، ولا توجد ساعة واحدة يجب أن يصل عندها الجميع. فليس كل من سبقك أفضل منك، وليس كل من تأخر عنك أقل شأناً.
وتصبح المقارنة خطراً حين تجعلك تكره إنجازاتك، وتتحول إلى غيرة تستنزف طاقتك، أو انشغال دائم بمراقبة الآخرين بدلاً من بناء حياتك. وكم من فرصة ضاعت لأننا انشغلنا بما يفعله غيرنا، وكم من نعمة فقدنا لذتها لأن عيوننا ظلت معلقة بما ينقصنا!
وللتحرر من هذا الفخ، قارن نفسك بما كنت عليه بالأمس، واحتفِ بتقدمك مهما كان بسيطاً. تعلّم الفرح لنجاح الآخرين دون اعتباره انتقاصاً من نجاحك، وقلّل متابعة المحتوى الذي يثير شعورك بالنقص، وحدد أهدافاً تناسب ظروفك وقدراتك، لا أحلاماً مستعارة من حياة غيرك.
يا صديقي، لا تجعل حياة الآخرين مقياساً لقيمتك. فقد يمتلك أحدهم المال ويفتقد الطمأنينة، ويعتلي آخر المناصب دون استقرار، بينما يعيش إنسان بسيط سعيداً بما لديه.
تذكّر دائماً: ليس المطلوب أن تكون أفضل من الآخرين، بل أن تصبح أفضل من نفسك بالأمس. لا تقارن بدايتك بمنتصف طريق غيرك، ولا تحزن لأن أحدهم وصل قبلك؛ فلكل رحلة توقيتها ودروسها.
وأخطر ما تفعله المقارنة أنها تسرق منك حياتك، لتعيشها بعيني غيرك، لا بقلبك أنت.
ترقّبوا الحلقة الثانية عشرة:
لماذا نخاف من الفشل رغم أنه طريق النجاح؟
نقترب في الحلقة القادمة من الخوف الذي يمنع كثيرين من خوض التجارب، ويدفعهم إلى البقاء في أماكنهم خشية السقوط.
مَدَار الفَهْم | رؤيةٌ تقرأ الواقع… ورأيٌ يفتح باب النقاش.













