ديربي كيجالي… اختبار حقيقي لصورة الكرة السودانية
أفضلية زرقاء على الورق… والميدان لا يعترف بالتوقعات
التركيز الذهني بوابة العبور في مواجهة رواندا
الانتصار يُبنى بالعمل داخل الملعب لا بسجلات الماضي
السلوك الرياضي ركيزة المشهد قبل صافرة الختام
التوقعات تسقط… والميدان وحده يحسم الصراع
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
تمثل قمة الهلال والمريخ المرتقبة في كيجالي، ضمن المباراة المؤجلة من الجولة السابعة عشرة من الدوري الرواندي، أكثر من مجرد مواجهة تنافسية بين غريمين تقليديين. إنها – بحسب قراءة المعلق الرياضي الرشيد بدوي عبيد – محطة اختبار حقيقية لصورة الكرة السودانية في الخارج، وفرصة جديدة لتأكيد ما تحقق من إشراقات في السنوات الأخيرة رغم كل التحديات.
يرى الرشيد أن الهلال والمريخ، وهما يخوضان منافسات الدوري الرواندي، لا يمثلان نفسيهما فحسب، بل يمثلان كرة السودان في سياقها العام، بعد الظهور المشرف للمنتخب الوطني في البطولات الإقليمية والأفريقية، وبعد المسيرة القوية للهلال في دوري أبطال أفريقيا، التي بلغت مرحلة متقدمة ولفتت أنظار المتابعين في القارة.
رسالة تتجاوز الحدود
يؤكد الرشيد أن المباراة ليست مجرد تسعين دقيقة، بل هي مناسبة لترسيخ مفهوم أن الكرة السودانية قادرة على تقديم نفسها كسفارة رياضية مشرفة، أداءً وسلوكًا وانضباطًا. فالقمة – في رأيه – مطالبة بأن تعكس الوجه الحقيقي للرياضة السودانية: تنافس حاد داخل المستطيل الأخضر، واحترام متبادل وروح رياضية خارجه.
ويشير إلى أن مباريات الديربي، في أي مكان من العالم، تحمل زخمًا استثنائيًا قبل انطلاقها، وتستمر أصداؤها بعدها طويلًا. فالهلال والمريخ، كما ريال مدريد وبرشلونة، أو الأهلي والزمالك، يمثلان حالة خاصة تتجاوز حسابات الجاهزية والأرقام. القمة، كما يقول، “كيان قائم بذاته”، لا تخضع للتوقعات ولا تعترف بترشيحات مسبقة، إذ كثيرًا ما تكذب النتائج كل التحليلات المسبقة.
جدل الملعب
تطرق الرشيد إلى الجدل الذي سبق اللقاء بشأن ملعب المباراة، موضحًا أن المباراة هي مباراة الهلال، ومن ثم كان له حق اختيار الملعب، ما أدى إلى تحويلها إلى ملعب أماهورو الوطني بدلاً من ملعب آخر ذي أرضية صناعية. وأكد أن هذه المسألة حُسمت تنظيميًا.
سنوات اضطراب
في تحليله لوضع المريخ، يرى الرشيد أن الفريق عانى خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية من عدم الاستقرار الإداري، وتعدد المجالس، والصراعات الداخلية، وهو ما انعكس سلبًا على الاستقرار الفني. تعاقب المدربون، وتغيرت التشكيلات، وفقد الفريق عددًا من أعمدته الأساسية، سواء بالاحتراف الخارجي أو الانتقال لأندية أخرى.
هذا الاضطراب – بحسب الرشيد – أدى إلى نتائج متراجعة أفريقيًا، وخروج متكرر من الأدوار المبكرة، وهو ما كان نتيجة طبيعية لغياب الاستقرار. غير أن المجلس الحالي – في تقديره – بدأ خطوات جادة نحو إعادة البناء، وترميم الصفوف، واستعادة التوازن، وإن كانت هذه العملية تحتاج إلى وقت وصبر.
ويشير إلى أن خسارة نقاط بسبب شكاوى إدارية في الدوري الممتاز كان لها أثر نفسي على المريخ، لكنها لا تلغي حقيقة أن الفريق تأهل إلى دوري النخبة، ويملك دوافع قوية في مباراة القمة لإعادة التوازن وتقليص الفجوة مع الهلال.
ثمرة فنية
على الجانب الآخر، يصف الرشيد وضع الهلال بأنه أكثر استقرارًا إداريًا وفنيًا. فالمجلس مستمر، والعمل الفني تدرج من مرحلة إلى أخرى حتى وصول المدرب الروماني لورينت ريجيكامب، الذي واصل البناء على قاعدة جاهزة.
هذا الاستقرار انعكس في نتائج إيجابية، أبرزها بلوغ دور الثمانية في دوري أبطال أفريقيا، والطموح للوصول إلى نصف النهائي بل ولمراكز أبعد. كما أن سياسة الرصد والتسجيل، سواء للاعبين المحليين أو المحترفين الأجانب، أثمرت عن مجموعة متجانسة أثبتت جدارتها قارياً ومحلياً.
ويرى الرشيد أن وفرة الخيارات لدى الهلال تمثل نقطة قوة، لكنها قد تضع المدرب أمام “معضلة الاختيار”، إذ تتوفر الجودة والبدائل في معظم المراكز، ما يمنحه أريحية في التدوير أو إراحة بعض العناصر، مع الحفاظ على الهيكل الأساسي.
قراءة فنية للمواجهة
من الناحية الفنية، يؤكد الرشيد أن الكفة على الورق تميل لصالح الهلال، استنادًا إلى الاستقرار والنتائج الأخيرة. غير أنه يعود ليشدد على أن القمة لا تعترف بالورق، وأن المريخ إذا أحسن استغلال الفرص وقدم أداءً مركزًا طوال التسعين دقيقة، فإنه قادر على إحداث المفاجأة.
ويستشهد بتاريخ طويل من المواجهات التي فاز فيها الطرف الأقل جاهزية على الطرف الأفضل، لأن الحسم في القمة يعتمد على التركيز الذهني، والانضباط التكتيكي، واستثمار اللحظات الحاسمة.
ويرى أن المباراة قد تشهد مشاركة بعض العناصر التي لم تظهر كثيرًا مؤخرًا، خاصة من جانب الهلال، في ظل الرغبة في تجهيز أكبر عدد من اللاعبين للمراحل المقبلة، بينما يعتمد المريخ على الدافع المعنوي الكبير لإثبات الذات وتقليص الفارق.
سفارة سودانية
يتوقف الرشيد مطولًا عند البعد المعنوي للمباراة، معتبرًا أن الهلال والمريخ، وهما يخوضان منافسات خارج السودان في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد، يمثلان نموذجًا للصمود الرياضي. فالتنقل بين البلدان، واللعب بعيدًا عن الديار، لم يمنع بروز إشراقات أفريقية تستحق الإشادة.
ويضيف أن الجمهور الرواندي تفاعل مع الفريقين، وأن وجود الهلال والمريخ أضفى نكهة خاصة على الدوري هناك، ما يضع مسؤولية إضافية على اللاعبين لتقديم أداء راقٍ يعكس قيمة الناديين وتاريخهما.
الانضباط أولاً
يشدد الرشيد على ضرورة أن تكون المباراة نموذجًا في السلوك والانضباط، سواء داخل الملعب أو خارجه. فالحكام روانديون لا مصلحة لهم في ترجيح كفة طرف على آخر، والمطلوب أن يُحسم اللقاء فنيًا بعيدًا عن أي جدل.
ويختم قراءته بالتأكيد على أن القمة ستظل حدثًا استثنائيًا، وأن نتيجتها ستُكتب داخل المستطيل الأخضر فقط. قد تنتهي بفوز الهلال فيعزز صدارته وطموحه، أو بفوز المريخ فيستعيد توازنه ويعيد شيئًا من الندية، أو حتى بتعادل يرضي الأطراف ويُبقي كيجالي والخرطوم هادئتين.
لكن المؤكد – كما يقول – أن القمة لا تخضع لحسابات مسبقة، وأن “كذب المنجمون ولو صدقوا” في التنبؤ بنتيجتها، لأن كرة القدم تُحسم بالفعل لا بالترشيحات.












