صوتٌ صنع ذاكرة الملاعب… من دكة البدلاء إلى مونديال 94
انتقلت من أورلاندو إلى نيويورك في ساعات… لأنقذ مباراة
ستة أهداف في شباك المريخ… مباراة تمنيت ألا أذيعها
الميدالية الذهبية… لمنظومة الدفاعات الصناعية
عبدالخير صالح اكتشف موهبتي وحولني لخانة المحور
هدف جان كلود… أمنية صوتية لم تتحقق
الأسرة سندي… والجمهور رأسمالي الحقيقي
الهلال وأهلي الخرطوم .. أول مباراة اذعتها
علي الحسن مالك صنعني.. و25 دقيقة غيّرت حياتي
واجهت عمالقة .. وأحرزت هدفاً بمقصية في الدورات المدرسية
لو لم أكن معلقاً… لكنت لاعباً أو مدرباً كبيراً
التعليق ليس صراخاً… بل قراءة لما بين السطور
أبنائي يفتخرون بي… وأنا أفتخر بهم
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
ليس سهلاً أن تختصر مسيرة تمتد لعقود في التعليق الرياضي، ولا أن تحصر ذاكرة ملاعب وسفريات وأفراح ودموع في صفحات معدودة. الرشيد بدوي عبيد واحد من الأصوات التي ارتبطت بوجدان المستمع السوداني، ورافقت أجيالاً كاملة في لحظات الانتصار والانكسار. من أول فرصة منحه إياها أستاذه علي الحسن مالك في سبعينات القرن الماضي، وحتى تعليقه على نهائيات كأس العالم 1994 بأمريكا، ظل الرشيد يحمل الميكروفون بروح اللاعب، ووعي المدرب، وشغف العاشق لكرة القدم. في هذا الحوار الخاص، يفتح لنا ذاكرته بلا تحفظ، مستعيداً البدايات الأولى، والمواقف الصعبة، والمباريات التي ندم عليها، وأخرى فقد فيها الوعي من شدة الانفعال، كما يتحدث عن الشهرة، والأسرة، والسفر، وأحلامه التي كادت تقوده إلى الملاعب لاعباً لا معلقاً. حوار صريح، إنساني، ومفعم بالوفاء للمهنة والوطن.
البداية… فرصة صنعت قدراً
- ما أول مباراة علّقت عليها؟
كانت في السبعينات، مباراة الهلال وأهلي الخرطوم، وانتهت 2-1 للهلال. أستاذي علي الحسن مالك منحني فرصة التعليق في الجزء الأخير من المباراة لمدة نحو خمسٍ وعشرين دقيقة. كانت مفاجأة حقيقية، لم أكن مستعداً لها. عدت إلى البيت تلك الليلة في قمة السعادة. شعرت بالفخر والاندهاش معاً، لأنني جلست بجوار أستاذي سنواتٍ أتعلم وأستعد، ثم فجأة وجدت نفسي أمام الميكروفون.
- هل تتذكر أول جملة قلتها؟
بصراحة لا أتذكرها. الفرصة جاءت كالصاعقة. ربما قلت شكراً لأستاذي علي الحسن مالك، لأنني كنت في حالة ارتباك غير عادية.
- من اكتشف موهبتك؟
بكل فخر أقول: علي الحسن مالك. هو من أدخلني الجسم الرياضي، وعلّمني أسرار المهنة، وفتح أمامي الطريق. كان مدرسة قائمة بذاتها.
أول سفرية… ومواجهة نميري
- حدثنا عن أول بعثة رياضية رافقتها خارج السودان.
كانت إلى أديس أبابا ضمن أسبوع الصداقة السوداني الإثيوبي. كانت أول مرة أركب فيها الطائرة، وأول مرة أستخرج جواز سفر، سافرنا مع وفد رئاستي قاده الرئيس السابق جعفر نميري. نقلت مباراتين كاملتين خارج السودان، وكانت تجربة مدهشة. استفدت كثيراً من الأستاذ مامون الطاهر والأستاذ علي الريح. عند عودتي كتبت الصحف: “ميلاد معلق رياضي جديد”. تلك السفرية كانت نقطة انطلاقي الحقيقية.
⚡ مواقف لا تُنسى
- ما أصعب موقف تعرضت له أثناء التعليق؟
في مباراة الهلال والإفريقي التونسي، أثناء الأحداث، فوجئت بأحد المشجعين يضربني في وجهي، وسال الدم. ورغم ذلك واصلت التعليق. كنت مصراً على أداء رسالتي حتى النهاية.
- مباراة تمنيت لو لم تعلق عليها؟
هناك مباراتان مؤلمتان. مباراة حي العرب في البطولة الافريقية التي انتهت بثمانية أهداف في شباكه، ومباراة المريخ الشهيرة أمام فريق أب اليمني التي خسر فيها بستة أهداف. كان من الصعب جداً أن تنقل تلك اللحظات لجمهورك.
- أصعب مباراة من حيث الضغط؟
مباراة الهلال وكانون الكاميروني. كانت مباراة عصيبة للغاية. داخل الكابينة الضيقة، ومع شدة الانفعال، فقدت الوعي لدقائق. تولى الزملاء علي الريح ومامون الطاهر الميكروفون حتى أفقت وعدت لإكمال التعليق. كانت لحظة لا تُنسى، وفيها تاهل الهلال لى نهائي البطولة الافريقية عام 1987. بعد الفوز بركلات الترجيج ، وفيها تالق الحارس يور في صد ضربتين.
مونديال 94… قمة الحلم
- ماذا تعني لك تجربة كأس العالم 1994؟
كانت فخراً كبيراً. أن أكون أول معلق سوداني يتواجد في نهائيات كأس العالم حدث لا يوصف. علّقت على خمس مباريات، وأحد المواقف العالقة في ذهني مباراة أيرلندا والمكسيك في نيويورك، حيث تم اختياري بديلاً للمعلق السعودي محمد رمضان الذي لم يتمكن من الوصول في الوقت المحدد. سافرت فوراً ونقلت المباراة في اليوم نفسه، وهي المباراة التي انكسر فيها احد قوائم المرمى. كانت تجربة صنعت نقلة كبيرة في مسيرتي، خصوصاً انتقالي من التعليق الإذاعي إلى التلفزيوني.
- كيف أثرت التجربة عليك؟
التعليق الإذاعي يعتمد على الوصف الكامل، بينما التلفزيوني يكمله المشهد. تعلمت التوازن بين الكلمة والصورة، وأضفت الكثير إلى تجربتي المهنية.
لو لم تكن معلقاً؟
- ماذا لو لم تدخل مجال التعليق؟
كنت لاعب كرة جيداً. لعبت ارتكازاً وصانع ألعاب ومدافعاً وقد اكتشفني قائد الهلال السابق عبدالخير صالح مدربنا في نادي الأحرار، أحرزت هدفاً شهيراً في الدورات المدرسية بمقصية ضد نقد وابراهيمم عطا . كان فريقنا كمولة وشكاك لاعبي الزهرة، كانت لدي طموحات كبيرة للوصول إلى القمة لاعباً، لكن الظروف قادتني إلى الميكروفون، ولم أندم أبداً. لاحقاً دخلت مجال التدريب أيضاً، ودربت عدداً من الأندية. الامدرمانية.
التحليل… إضافة للتعليق السوداني
- هل تميل للحماس أم للتحليل الفني؟
التعليق أصبح مدارس. أنا بحكم تجربتي كلاعب ومدرب أضفت ميزة التحليل للتعليق السوداني. لم أكتفِ بالحماس، بل كنت أقرأ ما بين السطور وأربط المستمع بما يحدث داخل الملعب. والحمد لله نجحت في ذلك، توقعت فوز الهلال على نسراوا النيجيري في مباراة الإياب رغم انه خسر في الذهاب بثلاثة اهداف نظيفة، وقد كان انتصر الهلال بثلاثية وتجاوز الفريق النيجيري بركلات الترجيح.
رمضان… شهر العطاء
- كيف تقضي يومك في رمضان؟
رمضان بالنسبة لي شهر إنتاج إعلامي مكثف. كنت أكثر عطاءً فيه، سواء في الإذاعة القومية أو الرياضية، من إعداد برامج، وحوارات، ونقل مباريات، وسفر مع الأندية. رغم الصيام، كنت أجد طاقة مضاعفة.
الأسرة… سند المسيرة
- ماذا تمثل لك الأسرة؟
هم سندي الحقيقي. صبروا على غيابي الطويل بسبب العمل والسفر. جمعت بين الإذاعة والتلفزيون والصحافة والتدريب، وهذا يعني خروجاً يومياً لساعات طويلة. أشكرهم كثيراً.
- كيف يراك أبناؤك؟
بفخر كبير. يسعدهم أن يُشار إليهم بأنهم أبناء الرشيد بدوي عبيد. أما أنا فأتعامل معهم بمحبة وصداقة.
السفر… مدرسة الحياة
- ماذا أضاف لك السفر؟
السفر مدرسة. عشت تجارب مع الهلال، والمريخ، والأندية والمنتخبات في إفريقيا وأوروبا. السفر يكسبك الصبر، ويزيل الحواجز بين اللاعب والإداري والإعلامي. خلق بيننا علاقات إنسانية عميقة.
الشهرة… اختبار التواضع
- هل غيرتك الشهرة؟
لم تبطرني أبداً. قبل الشهرة وبعدها أنا رجل بسيط ومتواضع. أقول دائماً: أنا مليونير بحب الناس. لو تعاليت لما بقيت قريباً من الجمهور.
لاعب وهدف في الذاكرة
- لاعب تمنيت التعليق على مسيرته كاملة؟
عيسى صباح الخير. لاعب موهوب جداً، صندوق إبداع حقيقي.
- هدف تمنيت أن يكون بصوتك؟
أهداف جان كلود، وصبحي، ومهند الطاهر. أهداف جمعت المهارة والقوة والتخطي بشكل مذهل.
دعوة من القلب
- ما دعوتك الرمضانية هذا العام؟
أن يعم الأمن والسلام السودان، وأن تتوقف الحرب، وأن تتوحد الأمة، وأن يحفظ الله بلادنا من كل سوء.
• بعد هذه المسيرة الطويلة، هل هناك رسالة تقدير خاصة تود توجيهها؟
نعم، أود أن أوجّه رسالة تقدير وامتنان خالصة لمنظومة الصناعات الدفاعية بقيادة الفريق أول ميرغني إدريس. هؤلاء يستحقون الميدالية الذهبية عن جدارة.
• ماذا تقصد بالميدالية الذهبية؟
أقصد أنهم قدّموا نموذجاً وطنياً وإنسانياً رفيعاً. الفريق أول ميرغني إدريس كان متابعاً لكل تفاصيل علاجي في مصر، واهتم بحالتي الصحية اهتماماً مباشراً حتى اكتملت مراحل العلاج. هذا الموقف لن أنساه ما حييت.
• هل كان الدعم مقتصراً عليك؟
أبداً. المنظومة كان لها دور إنساني كبير في علاج عدد من رموز المجتمع في مجالي الرياضة والفن، إضافة إلى اهتمامها بعلاج جرحى القوات المسلحة خلال فترة الحرب، وما قامت به من أدوار فاعلة ومؤثرة في ملف العودة الطوعية. هذه مواقف تُسجَّل في صفحات الوفاء.
• ماذا يعني لك هذا الدعم؟
الوقوف إلى جانب الإنسان في لحظات ضعفه هو أعلى درجات الوطنية. ما وجدته من دعم ومساندة سيظل ديناً في عنقي لا أنساه. حين تشعر أن هناك من يقف معك دون مقابل، تدرك أن الوطن ما زال بخير.
خاتمة
الرشيد بدوي عبيد ليس مجرد معلق رياضي، بل صفحة مضيئة في تاريخ الإعلام الرياضي السوداني. بين دكة البدلاء وميكروفون الإذاعة، وبين كابينة التعليق في استاد محلي ومدرجات مونديال عالمي، ظل صوته وفياً للعبة، ومخلصاً للمستمع، وقريباً من الناس. إنها مسيرة تُختصر في كلمة واحدة: الشغف.
من الرشيد بدوي:
شكرًا “آكشن سبورت”.. وشكرًا لكل من كتب حرفًا أو سطرًا أو كلمة
أتقدم بخالص الشكر والتقدير للزميل الحبيب إلى نفسي إبراهيم عوض رئيس تحرير صحيفة آكشن سبورت، على هذه الاستضافة الكريمة التي أعتز بها كثيراً. كما أزجي التحية لكل من سطّر كلمات طيبة في الحوار المصاحب لهذا اللقاء، ولكل من كتب في حقي كلمات إشادة وثناء، أعتبرها وساماً أضعه على صدري ومسؤولية تدفعني لمواصلة العطاء.
هذه الكلمات ستظل محفورة في عنقي، لأنها تعبّر عن محبة صادقة، وأقل ما يمكن أن أقدمه ردّاً لهذا الجميل هو أن أستمر في خدمة الرياضة والإعلام ما امتد بي العمر، وفي أي مجال أستطيع أن أُسهم فيه.
الحمد لله، ما حققته من تجارب داخل السودان وخارجه، وما نلته من شهادات علمية وخبرات عملية، أعتبره فضلًا من الله أولاً، ثم ثمرة دعم الناس ومحبتهم. وأقول دائماً: أنا مليونير… بحب الناس. فمحبة الناس هي رأس المال الحقيقي، وهي الزاد الذي يُعينني على الاستمرار.
شكراً لكم جميعاً.













