بروفيسور نعمات الزبير
تقع الصحافة في موقع وسطي بين الجمهور والسلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولذلك أُطلق عليها مصطلح «السلطة الرابعة».
وبحسب موقعها هذا، تعيش الصحافة ضغوطاً من الطرفين؛ من الجمهور الذي يطالب بحقه في الوصول إلى المعلومات والقراءات والتحليل للأحداث وفي الشفافية، ومن السلطة الحاكمة التي تحاول استغلال الصحافة والإعلام كسلاح ناعم لتمرير أجندتها السياسية وفي مواجهة خصومها.
من يمتلك حق إنتاج الأفكار يمتلك سلطة إعلامية، والجرعات الثابتة من الأخبار والإعلام التي يتلقاها معظم الناس بصورة يومية تعتبر عاملاً مهماً من عوامل السيطرة الاجتماعية. ووسائل الإعلام تشكل المصدر الرئيس للاتصال القادر على الوصول إلى المجتمعات، فتأطير وتشكيل عقل الجماهير يتم إلى حد بعيد وكبير عبر عمليات تحدث في الإعلام، وذلك من خلال صنع الرمز وربطه بالصورة والمعنى. والإعلام هو الوسيلة الحاسمة في الاتصال بين السلطة والجمهور وترسيخ الفكرة والرمزية. ونتيجة لذلك، فإن الرؤساء والزعماء الذين لا يتواجدون في الإعلام لا وجود لهم في عقول وذاكرة الجمهور.
الإعلام والصحافة هما سلطة بناء الواقع ومصدر للمعرفة والممارسة الاجتماعية وتشكيل الرأي العام والتأثير عليه.
نصوص الصحف تؤدي دوراً حيوياً في أنماط التلاعب بآراء الناس، وذلك عن طريق التلاعب بالذاكرة المؤقتة القصيرة للجماهير. ومن هنا فهم السياسيون ومن في السلطة الدور الكبير والمؤثر للصحفي، وبدأ البعض في استغلال ذلك النفوذ الناعم للصحفيين بما يتماشى مع سياستهم، وبالتالي سلكوا أساليب مختلفة للوصول لإغرائهم، كلٌّ على حسب موقعه وأهميته وشخصيته وبما يمكن أن يقدمه لهم.
والسلطة الرمزية للصحفيين تختزن في معانيها ومتطلباتها وأدواتها كل هذا التأثير في الواقع، وإنها تلقي عبئاً أخلاقياً ثقيلاً على الصحفيين باعتبارهم سلطة مؤثرة في عقول الجماهير، وأول ما تفترضه هذه السلطة لدى الصحفيين هو الوعي بها وخطورتها وتأثيرها. وفقدان سلطة الصحفي لا يبدأ من فقدانه أدواته، بل من فقدان الوعي بها؛ لأن أسوأ ما يمكن أن تفعله السلطة بصاحبها هو أن تجعله مملوكاً عندها لا مالكاً لها. السلطة الرمزية عند الصحفي هي حسن استخدامها في مهمة الصحافة الأساسية، وعدم التنازل عن الموضوعية المهنية.
إن عدم وعي الصحفي بأخلاقية ممارسة المهنة، التي تمثل حارس البوابة الأولى للممارسة الصحفية، يؤثر على أدائه المهني.
وتؤثر الهشاشة أو الصلابة النفسية للصحفي في اتخاذ قراراته، والاعتقاد الراسخ بأهمية العمل الصحفي، وفهمه العميق لحياديته كصحفي، ومقاومة التأثيرات المادية وغيرها. والسلطة هي ما تجعله قادراً على مقاومة السلطة ورغباتها ومواقع التأثير التي تحاول أن تتنازعه وتؤثر عليه.
تشويش المعتقد والفكرة، والضغوط المادية والنفسية، واختلاط المفاهيم، وتأثير بريق السياسيين، بالإضافة إلى الاستقطاب والتنافس على مراكز القوة والقرار، قد تكون السبب الرئيس في تشكيل نفسية الصحفي واختياره لأي المضلعات سينحاز: ضلع السلطة أم ضلع الجماهير.













