في حديث الذاكرة والتراث والهيبة بشرق السودان
النقارة رمز السلطة والعزة .. وإرث الحباب التاريخي
«منصورة وحنانيت».. أسماء تحمل تاريخ القبيلة



جورج الخامس انبهر بنقارات الحباب
صوت النحاس يوقظ الشجاعة في النفوس
«يمه يمه».. هتاف الفرح بعودة النقارة
حوار : الفاضل هواري ـ آكشن سبورت
الحباب قبيلة سودانية عريقة تقيم بشرق السودان، ارتبط اسمها بتاريخ طويل من الشجاعة والبأس وقوة الحضور، واشتهرت بالنحاسات والنقارات التي تمثل رمزاً للسلطة والهيبة والوجدان الجمعي. وفي هذا الحوار مع «أكشن سبورت»، يفتح العمدة عمر كنتباي المقيم بالعاصمة الرياض أبواب الذاكرة للحديث عن تاريخ نحاس الحباب، ورمزية النقارة، وعلاقتها بالحرب والسلم، إلى جانب مكانتها في المناسبات الاجتماعية والوطنية، كاشفاً عن تفاصيل تاريخية وثقافية تعكس عمق هذا الإرث الممتد لثمانية قرون. كما تحدث عن أسماء النحاسات الكبرى، ودلالاتها، والأساطير المرتبطة بها، والمشاعر التي تصاحب لحظة ضرب النقارة، مؤكداً أنها تمثل عند الحباب معنى العزة والكرامة والانتماء، وأن صوتها قادر على بعث الحماس والشجاعة حتى في نفوس المرضى والمتعبين، مستشهداً بأشعار ومرويات متوارثة بين الأجيال، ظلت حاضرة في وجدان أهل الحباب حتى اليوم.
- اعطنا نبذة عن النحاس عند مكون الحباب في السودان؟
** النحاس كمفهوم هو رمز للسلطة والعراقة، أما بالنسبة لنحاس الحباب فيُعتبر الأقدم والأكبر في السودان، حيث يُقدّر عمره بثمانية قرون، وهذا ليس حديثي وإنما حديث أهل العلم والمعرفة، وعلى رأسهم د. جراهام عبد القادر وزير الثقافة والإعلام السابق في إحدى توثيقاته. - وبماذا تمثل النقارة عند الحباب ؟
** تمثل النقارة أمراً هاماً عند الحباب، فهي رمز للسلطة الزمنية والسياسية، وكل من يستولي على نقارة الحباب عنوة تكون له الأحقية في النظارة والسلطة، ولا يتم الاعتراف بنظارة الشخص وسلطته إلا بعد الحصول على النقارة التي تمثل مظهراً للهيبة. - لكل سلطة قديمة تعبير عن الثقافة المحلية، هل لأهلنا الحباب تعبير مكنون في الوجدان؟
** نعم، نقارة الحباب يعود تاريخها إلى ثمانية قرون، وبعضها موثق كتابة، ومنها النقارات التي جاءت مهداة من القبائل العربية وتحديداً من السلطنة الزرقاء، وبعضها هدايا من الحبشة. - هل هناك رمزية للنقارة وهل لها عدد معين؟
** نعم، عدد النقارات ذات التعابير القديمة عند الحباب يزيد على سبع نقارات، وتنقسم إلى قسمين؛ قسم لأغراض السلم وقسم لملاقاة العدو، وتُسمى النقارات: منصورة وبنتها، حلبيت وبنتها، حنانيت وبنتها، وكشكش. - متى تُضرب النقارة عند الحباب؟ وكيف يتم اختيار القائمين عليها؟
** النقارات عندما تُضرب للأغراض السلمية فإنها تُستخدم في أعياد الفطر والأضحى، وولادة الذكور لأسرة الكنتيباي، وهي مناسبة لذلك. - كم من الوقت تستمر ضربات النقارة؟ وهل تضرب في كل الأوقات؟
** تستمر ضرب النقارة، عند فقدانها يعني ذلك عند الحباب الموت وفقدان العزة والكرامة. فعندما فقد الحباب نقارتهم ذات القداح الثلاثة، تقاطرت أطراف القبيلة وارتفعت السيوف واكفهر المكان، وبعد العثور عليها واستردادها، كان الراقص يحتفل بعودة النقارة رافعاً سيفه على إيقاعاتها وهو يردد: «يمه يمه» بمعنى أمي أمي. - هل تضرب النقارة لكل المناسبات؟ وهل هناك موقف راسخ في الذهن؟
** نعم، ومن المواقف الراسخة أن الملك جورج الخامس، ملك الإمبراطورية البريطانية، انبهر بضربات نقارات الحباب عند زيارته لشرق السودان، وبعده بفترة استقبلت الحباب اللواء أحمد المجذوب بهدير النقارات على نغمة: «على شومكم جيت يا حباب». - ماذا تمثل هيبة النحاس عند الحباب؟
** كانت هناك مناسبة فخيمة أقامها أحمد ود سعد في عرضته الشهيرة بالمتمة، حيث كان الفارس يأتي مسرعاً ثم يقف أمام النحاس وكأنه يقدم الولاء والطاعة، ويتوعد العدو بالهزيمة متى ما احتشدت نغمات النحاس. أما في عرضة السلطان علي دينار بالفاشر، فكان السلطان يتقدم النحاس بنفسه، ثم يهرع إليه الفرسان لمدحه. - ما المسميات التي تُطلق على النحاس بحسب أحجامه؟
** نعم، كبرى نحاسات الحباب تُسمى منصورة، تليها حنانيت، ثم حليبت وتعريبها «البيضاء» كناية عن لون الحليب، ثم كشكشت. ولكل من منصورة وحليبت وكشكشت نحاسات صغيرة تسمى «بنت». أما حنانيت فهي الوحيدة التي ليست لها بنت. وهناك أيضاً نقارة اسمها «نصرة» وهي صغيرة جداً، وتقول الأسطورة إنها كانت كبيرة ثم صغرت بعد أن رُشت بالحليب، لكن هذا مجرد خيال شعبي غير منطقي لأن النحاس مادة صلبة لا تتأثر بالحليب أو غيره. - في أي مناسبات كبرى يُستخدم النحاس عند الحباب؟
** يستخدم النحاس لأغراض السلم والحرب، ففي السلم يُستخدم في الأعياد والأفراح والأتراح واستقبال الشخصيات الكبيرة والزعماء ورؤساء القبائل والمسؤولين في الدولة، وكذلك عند ولادة الذكور لأسرة الكنتيباي أو وفاة كبار الأسرة والشخصيات الكبيرة كنوع من إعلان الحداد. - هل لضرب النحاس مشاعر خاصة؟
** لحظة ضرب النحاس يصعب وصفها، فهي خليط من الوجدانية والحيوية والنشوة والطاقة المعنوية، أشبه بـ«الباور بنك». ومهما كانت حالة الشخص الصحية أو النفسية، فإنه يتحول لحظة سماع النحاس إلى شخص مختلف. وفي ذلك يقول شاعر الحباب ود أرون عن النقارة منصورة:
«حموم لحي أنا أمعل مدرب باطا زينت أرض أنتي تو وسمالا قبي اليا»
ومعناها أن حتى المريض يُشفى لحظة سماع صوتها، فهي زينة الأرض والسماء، وعندما يستمع الشخص لهذه الأبيات يتحول إلى أشجع الشجعان. - من هم ملوك النحاس؟
** هم ملوك البحر أسياد النحاس، وللنحاس رمز العراقة والسلطة وحديث التاريخ.









