طق خااااص
خالد ماسا..
وبقدر ما كان الهلال قادراً على أن يصنع الحدث الرياضي أينما حلّ ونزل، وكان “ضمادة” الجراح السودانية قبل عام، عندما نسج ثوب الفرح الأزرق على رمال “نواكشوط” وحقق الفوز بالدوري الموريتاني، عاد هذا العام ليضيف صفحة جديدة في سفر الإنجازات بتحقيق لقب الدوري الرواندي. ولا يجب تفسير فرحة الأمة الهلالية بالبطولتين في إطارها الضيق، الذي لا يخرج من التفوق الفني للهلال على منافسيه في البطولتين، والمسافة الكبيرة بينه وبين الآخرين، بل إن القياسات المنطقية تعطي ما فعله الهلال إطاراً أكبر مما يحدث داخل المستطيل الأخضر.
من زاوية “الشوف” الفنية، من المؤكد أنه لا حاجة للهلال لبطولة النخبة المحلية، فهي منافسة تخصم كثيراً من جاهزية الفريق وخططه الإعدادية، ولا خلاف على أنها لا تزال بطولة لا تخدم التأهيل المطلوب للمنافسة على لقب البطولات القارية، وللمرة الثانية يأتيها الهلال مضطراً بحكم تحديدها لممثل البلد في المنافسات القارية.
إلا أن الزخم الذي صنعته العودة “الزرقاء” كان قد سحب البساط من تحت كل البرامج والمشروعات التي أُريد بها إعطاء الانطباع بأن شرايين وأوردة الوطن قد استعادت نبضها.
واحدة من “عبقريات” العودة الزرقاء هي العودة بكامل “العتاد” الأزرق، وذلك ليس لأن المنافسين في البطولة المحلية تستدعي مواجهتهم كل ذلك، ولكن تأتي هنا قيمة الجنود المجهولين الذين صنعوا هذا الزخم لهذه العودة، وعلى رأسهم الباشمهندس الخلوق عاطف النور، لأن منطقه وحجته هما اللذان كانا وراء العودة “الكاملة” للفريق، أجانب ووطنيين، بعد حسم مشوار البطولة الأولى في رواندا.
زيارة الهلال لاستاده، بعد الخراب الذي صنعته الحرب، لها أكثر من مدلول، لأن اللقطات التي تم تداولها هي وحدها التي أعادت الروح إلى أجساد بارحت المكان في مدن “اللجوء” و”النزوح”.
العودة “الزرقاء” هي الرسالة الأقوى إعلامياً منذ معارك التحرير في الخرطوم، وأن الهلال هو أحد أهم “أوتاد” الأمن والاستقرار في عاصمتنا الوطنية أم درمان.
العودة “الزرقاء” وزيارة استاد ونادي الهلال هي بمثابة “العزاء” وقراءة الفاتحة على أرواح حلّقت في سماء الوطن، شهداء وأسرى ومصابين، وكانت لهم علاقة “الدم” مع الأرض التي تحسستها أقدامهم في استاد الهلال، الأرض والمدرجات.
كم كانت هذه العودة ستطيب قلب فوزي “الأسد” الذي غطته أحزان الفقدان؟
من فينا شاهد روح “الرمح الملتهب” في أركان المقبرة، وهو الغائب الحاضر بروحه ليلة العودة الزرقاء؟
بشكل خاص، تلك هي معاني العودة عندنا في الهلال، ونحن نلقي “السلام” على أحد أركان النادي والاستاد، مولانا ماجد إسماعيل، ورفاقه الميامين من “رواد نادي الهلال” في فقدهم الجلل والعظيم.
روح المدرجات في عودة الهلال.. الأسد “بلول” والنبيل متوكل أبو ساري، اللذان صنعا من الهلال وطناً داخل وطن.
الهلال.. “محطة” الوطن الكبير وجبيرة كسر الحرب، التي أعطت مفاهيم “العودة” للخرطوم معناها الحقيقي، وغسلت شوارع أم درمان.
العودة “الزرقاء” خطفت الأضواء من أجواء الانتخابات “المسمومة” وصراعات الصغائر، وأعادت إلينا أجواء البيت الهلالي الكبير، حيث الاستواء الهلالي، ولا أجندة غير الفرح بعودة كبير البلد وفرس رهانها في البطولات.
العودة “الزرقاء” والأجواء التي فرضتها يجب استغلالها في التعافي من رواسب الحمى الانتخابية، وصراعات المصالح والقضايا الانصرافية التي هزّت صورة التماسك التي ظهر بها المجلس طوال دورته الماضية.
العودة “الزرقاء” هي عودتنا من غربتنا القسرية إلى أرض نحبها وتحبنا، نعرفها وتعرفنا، خرجنا منها مجبرين وعدنا إليها وقد قدمنا فيها روح الفقيد الصادق يوسف، رمزية شهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم لأجل أن تكون العودة ممكنة.
أجواء العودة “الزرقاء” هي التي يمكنها أن تعطي اللغة التي يجب أن تسود بين أهل الهلال، بدلاً من لغة “الحرب” بين الزملاء والأصدقاء وطرفي النزاع الأزرق في الرؤى والمنهج والاختيارات.
العودة “الزرقاء” لبلاد الوطن هي رئيس التحرير الحقيقي لصحيفة الهلال، الذي يكتب “المانشيت” بأن هنالك تحولاً محسوساً في مشروع “العودة الطوعية” بعد الحرب، والتقرير بأن التفسير المنطقي لما حدث في الخرطوم صبيحة عودة الهلال هو إعلان ميلادها الثاني، ومقال الرأي تحت عنوان: “في حضرة جلالك يطيب الجلوس مهذباً أمامك”.
ولو أن الاتحاد العام لكرة القدم السوداني يملك الأفق الذي يتسع لأكبر من كون الأمر عبارة عن بطولة تصر عليها لجنة المسابقات، وليتمكن الكل من تجاوز الفشل في توفير الحد الأدنى من مطلوبات قيام البطولة الأولى المؤهلة للمشاركات الخارجية، لقام بصناعة الحدث واستعراض الأثر الحقيقي لجماهيرية الرياضة وتأثيرها المجتمعي وقدرتها على إحداث نقلة نوعية في روح العودة للبلاد.
من الممكن جداً تحويل بطولة النخبة من إطارها الرياضي الضيق إلى مشروع كبير يدخل روح العودة، بحق وحقيقة، إلى البيوت والمدن السودانية.









