مواقف وسوالف
خالد الضبياني
ليس من المؤلم أن يختلف السودانيون في الرأي فذلك أمر طبيعي يحدث في كل المجتمعات ولكن المؤلم حقًا أن تتحول الخلافات الشخصية إلى حواجز تعطل مصالح الجميع وتمنع قيام كيان جامع يمثل أبناء الوطن في الغربة. تشهد الساحة السودانية في الرياض وجود العديد من الكيانات والروابط والجمعيات التي أنشئت لخدمة أبناء الجالية وهي في الأصل مبادرات تستحق الإشادة والتقدير. لكن عندما تتغلب الخلافات الشخصية على المصلحة العامة يصبح الجميع خاسرًا وتضيع الأهداف التي تأسست من أجلها تلك الكيانات.إن أخطر ما في هذه الخلافات أنها تشتت الجهود وتزرع الانقسام وتضعف صوت السودانيين أمام الجهات الرسمية كما تحرم أفراد الجالية من جسم موحد يستطيع الدفاع عن حقوقهم وتنظيم شؤونهم، ورعاية مناسباتهم الاجتماعية والثقافية والوطنية. كما أنها تترك انطباعًا غير محمود عن مجتمع عُرف عبر تاريخه بالتسامح والتكاتف ومع ذلك فإن وجود اختلاف في وجهات النظر ليس شرًا مطلقًا بل قد يكون مصدرًا للإبداع وتبادل الأفكار إذا أُدير بالحكمة والاحترام. فالاختلاف الصحي يثري العمل ويمنح الجميع فرصة للمشاركة أما الخلاف الذي تحركه المصالح الشخصية أو الحساسيات القديمة فلا ينتج إلا مزيدًا من التباعد. إن قيام جالية قوية وفاعلة لم يعد ترفًا بل أصبح ضرورة. فالجالية هي المظلة التي تجمع الجميع وهي القادرة على توحيد الجهود وخدمة السودانيين في مختلف ظروفهم وتمثيلهم بصورة تليق بتاريخ السودان وأبنائه. وكلما كانت الجالية قائمة على التوافق والشراكة والاحترام المتبادل كانت أكثر قدرة على تحقيق أهدافها.ويقع على عاتق السفارة دور مهم في هذه المرحلة ليس بالانحياز لطرف دون آخر وإنما بالعمل على تقريب وجهات النظر وفتح أبواب الحوار، وجمع الجميع حول مائدة واحدة فالسفارة هي بيت كل السودانيين ومسؤوليتها أن تكون عامل توحيد لا عامل فرقة وأن تشجع كل المبادرات التي تقود إلى الوفاق ولمّ الشمل.
ولعل السؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا على نفسه هو : لماذا نختلف ونحن في الغربة؟ فمعظم السودانيين لم يغادروا وطنهم بحثًا عن المناصب أو المكاسب السياسية وإنما خرجوا طلبًا للرزق وسعيًا لتوفير حياة كريمة لأسرهم وتحملًا لمسؤولياتهم تجاه أبنائهم وذويهم. فهل تستحق الخلافات الشخصية أن تستهلك وقتنا وجهدنا ونحن نكافح يوميًا من أجل لقمة العيش ومستقبل أسرنا؟الغربة بطبيعتها قاسية ولا يخفف وطأتها إلا وجود إخوة يساند بعضهم بعضًا ويقفون معًا في الأفراح والأتراح. وما أجمل أن يشعر السوداني، أينما كان، بأن له مجتمعًا يحتضنه لا ساحةً تمتلئ بالصراعات والانقسامات.إن المستقبل لن يصنعه المنتصر في خلاف شخصي وإنما سيصنعه المنتصر للوطن وللإنسان السوداني. ولن تقوم جالية قوية إلا إذا انتصر الجميع للحكمة وقدّموا التنازل من أجل المصلحة العامة وأدركوا أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم.فلنجعل من الغربة سببًا للتقارب لا للتنافر ومن اختلافنا مصدرًا للقوة لا سببًا للفرقة ولنتذكر دائمًا أن السودان يحتاج إلى وحدتنا وأن أبناءه في الخارج أحوج ما يكونون إلى الوفاق والتكاتف لأن الأوطان تبنى بالأيدي المتصافحة لا بالأصابع المتشابكة في الخصام.











