د. اقبال الباقر
كانت الغربة الطريق إلى عالم مختلف، علّنا نجد فيه ذواتنا، ونبلغ محطة الراحة التي نعد بها أنفسنا، بعدما أصبحنا غرباء بين روابط وطنٍ عقيم، نستغيث بالأماني التي تملؤنا طاقةً وروحًا متفائلة.
وهكذا تبدأ الرحلة… محطات، ووجوه، وتفاصيل قد لا تعنينا كثيرًا، لكنها تؤكد أننا بدأنا ننفصل نفسيًا وجسديًا عما قبل الرحيل.
هناك خواطر جاثمة على رحاب الفكرة، تسأل: هل سأحقق الحلم وأبلغ الغاية التي من أجلها شددت الرحال؟ وهل سيطول أمد الرحلة إلى ما لا نهاية؟ ومن سيكون الرفقاء؟
لم تكن الرحلة معقدة، بل كانت مرتبة من قبل القدر. لم يكن لي فيها يد، وكأنها رحلة إجبارية، لكنني كنت مسلمة ومستسلمة لقضاء الله، وفي داخلي طمأنينة الصالحين، ويقين بأن كل شيء مرتب بعناية إلهية.
ظل قلبي خاليًا من التوجس، وكان قراري ألا أنحني أمام أي ظرف يعيق شجاعتي، وأنا الأنثى الرقيقة، المدللة، العاقلة، والمسؤولة رغم صغر سني.
لم يكن زادي سوى دعوات والديّ، وإخوتي، وجدي، وكل من أحبني. وكان أبي كثيرًا ما يردد: “أنتِ بطلة، وقوية، وقادرة على تحقيق أحلامك.” فغرس في داخلي الشجاعة، والثقة، وحب التعلم والاكتشاف، ورسخ في نفسي قناعة التفرد والتميز. وكان لقدري، بأمر الله، دور كبير في دعم تلك القناعات.
كانت تفاصيل حياتي مختلفة عن حياة من حولي، حتى إن سؤالًا ظل يراودني كثيرًا: هل أنا طبيعية، أم مختلفة عنهم؟
ولعل ذلك الاختلاف كان سببًا في أن يأذن الله لي بالرحيل بعيدًا عن عالمي الأول. فلم يكن تفكيري ولا ظروفي يشبهان ما اعتاده الآخرون. كنت طبيعية، مجبولة على الفطرة، لا يعرف خيالي كيف يخطط للانتقام، أو يرد الإساءة بالإساءة، أو يدافع عن نفسه أمام اتهامات لا أصل لها. فقط لأنني، في نظر البعض، مختلفة، أو غريبة الأطوار.
لم أكن أتصور ما يدور في عقول من كانوا يكيدون لي، وينسبون إليّ ما لم أقله أو أفعله. كل ما كنت أعرفه أنهم يتغيرون تجاهي بلا سبب مفهوم بالنسبة لي.
لذلك، كان قرار الغربة بالنسبة إليّ انتقالًا إلى وطن أكثر سلامًا، بعيدًا عن كل الاصطدامات التي تعكر صفاء قلبي وروحي وعقلي. وهناك بدأت أبني إمبراطورية السلام الخاصة بي؛ فحيثما حللت، حاولت أن أزرع الورد، والود، والمحبة، والوئام.
ثم جاءت النقلة الحاسمة في حياتي بزواجي من رجل أشهد الله أنه لم يكن يشبه من عرفتهم في مسيرة حياتي. كان عظيمًا في أخلاقه وإنسانيته، حفظه الله، مختلفًا في جنسيته وثقافته، ومختلفًا في كل شيء جميل.
رزقني الله منه ولدين، أراهما ملوكًا في أدبهما، وأخلاقهما، واحترامهما. كانا مزيجًا من ثقافات متعددة، بسحنة قمحية مائلة إلى الصفرة، تحمل جينات سلالة كريمة. وكانا العوض الجميل عن رحلة العمر الطويلة، حيث انتقلت أسرتي إلى رحاب أوسع في معية الله.
وكنت الوحيدة التي منّ الله عليها بطول العمر… وكل فقدٍ كان غربة جديدة، لكن زادي فيها ظل ما تعلمته من صبر أبي وأمي وإخوتي. ولم يكن ذلك الصبر على الفقر أبدًا، وإنما كان صبرًا على عظيم الابتلاءات.
واليوم… توقفت الغربة في داخلي، لأن رحلتي الحقيقية كانت إلى الله ورسوله، في أرض الحرمين، حيث اطمأنت روحي، وسكنت نفسي.
قد يتغير المكان، والزمان، والظروف، والأحداث، والأقدار، لكن الإيمان يبقى دائمًا مصدر الراحة، ومنبع الأمان.













