أسماء إدريس – جدة
في صباح الخميس، سطّر السودان صفحةً جديدة في تاريخه الحديث. لم يكن ذلك مجرد يومٍ في التقويم، بل كان يومًا وطنيًا استثنائيًا، أعاد إلى الواجهة رمز السيادة، واستحضر تضحيات الأبطال، وأعلن للعالم أن الدولة السودانية، مهما اشتدت عليها المحن، قادرة على استعادة مؤسساتها والنهوض من جديد.
ومع وصول رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، إلى القصر الجمهوري لاعتماد عدد من السفراء الجدد، ارتفع علم السودان عاليًا خفاقًا فوق رمز السيادة، في مشهدٍ حمل رسائل وطنية ودبلوماسية عميقة، وأعاد إلى وجدان السودانيين الأمل بأن الوطن قادر على استعادة مكانته وهيبته، وأن الخرطوم تعود تدريجيًا إلى ممارسة دورها عاصمةً للدولة ومركزًا لقرارها السيادي.
لم يكن المشهد مجرد مراسم رسمية، بل كان يومًا وطنيًا استثنائيًا أعاد للدولة حضورها، وللقصر الجمهوري مكانته، وللعلم السوداني هيبته. فهذا الصرح ليس مبنىً إداريًا فحسب، بل هو ذاكرة وطن، ورمز السيادة، والمكان الذي شهد أهم المحطات السياسية والدبلوماسية منذ استقلال السودان، واستقبل رؤساء الدول، واعتمد السفراء، وصُنعت بين جدرانه قرارات شكلت تاريخ البلاد.
وجاء اعتماد عدد من السفراء الجدد من داخل القصر الجمهوري ليؤكد أن الدولة السودانية تمارس وظائفها السيادية، وأن الخرطوم تستعيد تدريجيًا مكانتها عاصمةً للعمل السياسي والدبلوماسي. فاعتماد السفراء ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو إعلانٌ بأن السودان حاضرٌ بمؤسساته، ثابتٌ في سيادته، وماضٍ في تعزيز علاقاته مع الدول الشقيقة والصديقة، وفتح صفحة جديدة من التواصل والتعاون مع العالم.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال المواقف الأخوية للمملكة العربية السعودية، التي ظلت من أوائل الدول الداعمة للسودان، وحرصت على أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وظلت علاقاتها مع السودان نموذجًا للأخوة الصادقة والتعاون المثمر. ومن الوفاء أن نتقدم للمملكة، قيادةً وشعبًا، بخالص الشكر والتقدير والامتنان على مواقفها النبيلة، التي ستظل محل اعتزاز في وجدان الشعب السوداني.
غير أن هذا اليوم، بكل ما يحمله من فرحة، لا يمكن أن يُذكر دون استحضار الرجال الذين صنعوا هذا المشهد بدمائهم. فالقصر الجمهوري لم يعد إلى حضن الدولة بلا ثمن، بل عاد بعد أن ارتوت ساحاته ومحيطه بدماء شهداء الحرس الجمهوري والقوات المسلحة، الذين وقفوا في مواقعهم بكل شجاعة، يدافعون عن رمز السيادة، وعن راية السودان، وعن كرامة الدولة، حتى قدموا أرواحهم فداءً للوطن.
لقد أثبت هؤلاء الأبطال أن الأوطان لا تُصان بالشعارات، وإنما تُحمى بالتضحية والإخلاص. ولم يكونوا يدافعون عن مبنى أو جدران، بل عن هوية السودان، وعن مؤسساته، وعن علمه الذي عاد اليوم يرفرف عاليًا فوق القصر الجمهوري. ولهذا فإن أقل الوفاء لهم أن تُخلّد أسماؤهم، وأن تتزين مداخل القصر الجمهوري وممراته وصالاته بصور شهداء الحرس الجمهوري، حتى يعلم كل من يدخله أن هيبة هذا المكان لم تُصنع بالحجارة، وإنما صنعتها دماء رجالٍ صدقوا عهدهم مع الوطن، وكتبوا ببطولاتهم صفحاتٍ من المجد ستبقى خالدة في تاريخ السودان.
كما نستحضر في هذا اليوم شهداء القوات المسلحة في جميع ميادين الشرف، وندعو بالرحمة لمن ارتقوا، وبالشفاء للجرحى، وبالحرية للأسرى، وبعودة المفقودين إلى ذويهم، وأن يجبر الله خواطر أسر الشهداء الذين قدموا أغلى ما يملكون ليبقى السودان شامخًا عزيزًا.
لقد وجّه هذا اليوم رسالةً واضحة إلى الداخل والخارج بأن السودان دولةٌ راسخة الجذور، لا تُقاس قوة مؤسساتها بظروف الحرب، بل بقدرتها على النهوض واستعادة دورها. وعودة القصر الجمهوري ليحتضن مراسم اعتماد السفراء أكدت أن رمز السيادة ما زال قائمًا، وأن الدولة السودانية ماضية في ممارسة اختصاصاتها السيادية، وتعزيز حضورها الدبلوماسي، والانفتاح على محيطها العربي والإفريقي والدولي.
كما حمل هذا المشهد رسالةً بأن قوة السودان تكمن في وحدة شعبه، وتماسك مؤسساته، وتضحيات أبنائه من القوات المسلحة والقوات النظامية، وكل من قدّم روحه دفاعًا عن الوطن. لقد أثبتت هذه التضحيات أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالمواقف، وأن الراية التي ارتفعت فوق القصر اليوم ارتفعت بفضل رجالٍ آمنوا بأن سيادة السودان وكرامته تستحقان أغلى التضحيات.
ورغم كل ما واجهه السودان من تحديات، فإن إرادة شعبه ظلت أقوى من كل المحن. واليوم، وهو يستعيد أحد أهم رموز سيادته، يبعث برسالةٍ إلى العالم بأن السودان سيظل وطنًا عصيًا على الانكسار، وأن وحدته الوطنية، وبسالة قواته المسلحة، والتفاف شعبه حول رايته، هي الضمان الحقيقي لحماية الدولة وبناء المستقبل.
إن هذا الحدث ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة يتطلع إليها كل سوداني؛ مرحلة يُطوى فيها الألم، ويُفتح فيها باب البناء والإعمار، ويعود فيها النازح إلى منزله، ويجد الشباب فرصهم، وتعود الخرطوم نابضة بالحياة، ويرتدي السودان ثوبه الجديد؛ ثوب الأمن والسلام والاستقرار والتنمية والرخاء.
صوت الحقيقة
القصر الجمهوري ليس مجرد مبنى، بل هو ذاكرة وطن، ورمز سيادة، وشاهد على تضحيات رجالٍ سقوه بدمائهم الطاهرة. واليوم، وهو يستعيد دوره وهيبته، فإن أول من يستحق أن يُحتفى بهم هم الشهداء الذين مهدوا لهذا المشهد، لتبقى راية السودان عاليةً خفاقة، وليظل الوطن عزيزًا موحدًا، قويًا بإرادة أبنائه، ماضيًا بثقة نحو مستقبلٍ يليق بتاريخه وتضحيات شعبه.













