نقطة سطر جديد
عباس الماحي
الكرامة ليست كلمة تُقال في الخطب، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي جوهر الإنسان وروحه، والقيمة التي تسبق المال والمنصب والجاه، وتبقى حين يزول كل شيء. هي النور الداخلي الذي يجعل الإنسان مرفوع الرأس مهما أثقلته الهموم، والسند الذي يتكئ عليه حين تتخلى عنه الدنيا. فالإنسان بلا كرامة جسد يتحرك، لكنه فاقد لروحه ومعناه.
وقد كرّم الله الإنسان منذ خلقه، وجعل له منزلة عظيمة بين المخلوقات، فكانت الكرامة أصلًا ثابتًا في فطرته، لا منحة من أحد ولا هبة من بشر. لذلك فإن التفريط فيها خسارة تمس جوهره، فهي لا تُشترى بالمال، ولا تُمنح بقرار، ولا تُسلب إلا حين يسمح الإنسان بذلك.
في زمن اختلطت فيه القيم، أصبح المال عند بعض الناس مقياسًا لكل شيء، حتى باتت الكرامة سلعة في سوق المصالح. نرى من يبيع وطنه من أجل حفنة مال أو منصب زائل، ناسياً أن الوطن ليس أرضًا وترابًا فقط، بل هو هوية وذاكرة وانتماء. ومن يساوم على وطنه يخسر جذوره، ومن فقد جذوره تاه في كل أرض.
وفي الغربة، قد يتنازل البعض عن كرامتهم ظنًا أن الرزق لا يأتي إلا عبر أبواب الذل، فيقبل الإهانة ويصمت عن الظلم خوفًا على مصدر رزقه. لكنه ينسى أن الأرزاق بيد الله، وأن الذل لا يزيد الرزق، بل ينقص من قيمة الإنسان في عيني نفسه. فالسعي للرزق شرف، والغربة ليست انتقاصًا، لكن العيب أن يكون الثمن كرامة الإنسان.
الكرامة ليست تكبرًا، بل وعي الإنسان بقيمته، وثباته على مبادئه، وقدرته على قول «لا» حين تُنتهك حدوده. وهي تنبع من الداخل؛ من احترام الإنسان لنفسه وللآخرين. فلا حب بلا احترام، ولا صداقة بلا تقدير متبادل. ومن يحافظ على كرامته بحكمة وهدوء يكسب احترام الجميع، حتى المختلفين معه.
وتظهر الكرامة في مواجهة الشدائد؛ فكم من أناس فقدوا أموالهم أو مناصبهم، لكنهم لم يفقدوا كرامتهم، فبقوا كبارًا في أعين أنفسهم والناس. الفقر لا يُسقط الكرامة، والمرض لا ينتقص منها، إنما يسقطها الاستسلام للذل دون محاولة للتغيير. قد يُهزم الإنسان في معركة، لكنه لا يُهزم ما دام متمسكًا بكرامته.
وفي الأسرة، تتجلى الكرامة في شخصية كبيرها؛ أبًا كان أو أخًا أو عمًا. فمكانته لا تُبنى بالصوت المرتفع ولا تُفرض بالقسوة، بل تُرسَّخ بالعدل والحكمة وحسن الخلق. احترام أسرته له لا يكون خوفًا من شدته، بل تقديرًا لثباته وصونه لكرامته وكرامتهم. الرجل الذي يحفظ كرامته يحفظ بها بيته، ويغرس في نفوس أهله الشعور بالأمان والاعتزاز.
كبير العائلة الحقيقي يتحمل المسؤولية بصبر، ولا يساوم على شرفه مهما اشتدت الحاجة. رجولته ليست تسلطًا بل احتواء، وليست قهرًا بل رحمة. فالنساء قد يصبرن على ضيق العيش، لكنهن لا ينسين موقفًا أُهدرت فيه الكرامة. كرامة الرجل سياج الأسرة، فإذا انكسر السياج تجرأ عليه كل طامع.
وفي المجتمعات، تُعد الكرامة أساس العدالة؛ فحين تُصان كرامة الإنسان تُحترم حقوقه ويشعر بالأمان والانتماء. لذلك كانت الكرامة هدفًا لكل الحركات الإصلاحية، لأنها تمثل جوهر العدالة. فالمجتمع الذي تُنتهك فيه كرامة أفراده مهدد بالتفكك مهما بدا قويًا.
تبقى الكرامة تاجًا على رأس الإنسان، قد لا يراه الآخرون، لكنه يشعر بثقله في داخله. المال يذهب، والمناصب تزول، لكن أثر التنازل عن الكرامة يبقى وصمة في القلب. الكرامة عهد بين الإنسان ونفسه، وميثاق بينه وبين ربه، أن يظل نظيف اليد، صادق الموقف، مرفوع الرأس. ومن عاش كريمًا، مات كريمًا، وبقي ذكره كريمًا في القلوب، وذلك هو الفوز الذي لا يزول.












