مواقف سوالف
خالد الضبياني
في الوقت الذي كانت فيه أصوات الحرب تعلو فوق كل شيء، وتغلق الشوارع، وتطفئ الأنوار، وتبعثر أحلام الناس، ظلت الكرة السودانية تحاول أن تمنح الشعب شيئاً من الحياة. لم تكن المباريات مجرد تسعين دقيقة، بل كانت نافذة صغيرة يتنفس منها السودانيون الأمل وسط الدخان والوجع والخوف.
المنتخب السوداني، الذي دخل كثيراً من مبارياته في ظروف قاسية وغير طبيعية، نجح رغم كل شيء في أن يثبت أن الإرادة السودانية لا تُهزم بسهولة. لا ملاعب مستقرة، ولا دوري منتظم، ولا إعداد مثالي، ومع ذلك ظهر اللاعب السوداني بروح قتالية جعلت الجماهير تفتخر به من جديد.
لقد لعب صقور الجديان وكأنهم يحملون وطناً كاملاً على أكتافهم، فكل انتصار كان رسالة تقول إن السودان ما زال حياً، وإن الحرب لم تستطع قتل الفرح بالكامل. كان اللاعبون يدخلون الملعب وقلوبهم على أسرهم ومدنهم وأصدقائهم، لكنهم رغم ذلك كانوا يقاتلون من أجل الشعار، ومن أجل الجماهير التي تنتظر أي خبر جميل وسط الأخبار الثقيلة.
أما فريق الهلال ، فقد تحول إلى قصة استثنائية في زمن الانكسار. الهلال لم يكن مجرد نادٍ يشارك في البطولات الإفريقية، بل أصبح ممثلاً لوطن كامل يبحث عن مكان وسط العاصفة. ورغم الظروف الأمنية الصعبة، والتنقل المستمر، وحرمان الفريق من اللعب الطبيعي وسط جماهيره، استطاع الهلال أن يقدم مستويات قوية قارياً، وأن ينافس أندية تملك استقراراً وإمكانات أكبر بكثير.
وكانت قوة الهلال الحقيقية في شخصيته، فالفريق لعب بعقلية لا تعرف الاستسلام، وقدم صورة مشرّفة للكرة السودانية أمام القارة الإفريقية. وفي كل مباراة كان الهلال يقول إن السودان، مهما تعب، لا يزال قادراً على الوقوف.
لقد أثبتت الحرب شيئاً مهماً جداً، وهو أن الرياضة ليست رفاهية كما يظن البعض، بل وسيلة لحماية الروح الوطنية من الانهيار. فالناس الذين فقدوا بيوتهم وأمنهم كانوا يجدون في مباراة للمنتخب أو الهلال لحظة فرح نادرة، وسبباً مؤقتاً لنسيان الحرب.
وربما لم تحقق الكرة السودانية البطولات، لكنها حققت شيئاً أكبر، إذ أعادت للسودانيين الشعور بالفخر في أصعب الأوقات.
وفي النهاية، ستتوقف الحرب يوماً ما، لكن التاريخ سيتذكر أن الكرة السودانية لعبت وهي تنزف، وانتزعت الاحترام وهي محاصرة بالأزمات، وأن لاعبي السودان لم يكونوا مجرد رياضيين، بل كانوا جنود أمل لوطن جريح.













