مهدي يوسف
كانت الساعةُ الواحدةَ ظهراً، وكانت الشمسُ تمدُ لسانَها إلى النيلِ استهزاءً وهي تمارسُ عملها المفضّل في سلق الناسِ والمباني والأشياءِ في “الخرطوم”. جرجرَ “منسي” قدميه وراءه خارجاً من مبنى الجامعة العتيقِ بينما قبضت يده اليمنى في قوةٍ على كتاب يحكي عن الثورة الفرنسية. كان الجوعُ ينهشُ جسدَه المعتقلَ داخلَ ملابسِه الرثّة، وكان الوجعُ يعتصرُ روحه المتشققةَ كتربةٍ خاصمَها المطرُ زمناً طويلاً. رفعَ رأسَه إلى السورِ المقابلِ في تثاقلٍ فلمحَ عليه ملصقاً لفيلمٍ عن قرصانٍ يحرقُ سفناً. أدارَ عينيه في زوايا المنطقةِ فلاح له سورٌ ثانٍ ثم ثالث. فجأةً بدأت الأسوارُ تتناسلُ أمام عينيه بصورةٍ متتابعةٍ حتى أوشكَ أن يصيحَ متسائلاً ” ما بال الأسوار كثُرت يا سفلة؟ ” لكن ضحكةً حيّةًّ حدّ الترف أخرجته من قوقعةِ سخطه. التفت يساراً فلمحَ بناتٍ ذوات أجسادٍ بضّةٍ وثيابٍ فخيمةٍ وهنّ يستندن على مقدماتِ سياراتٍ فارهة. التفتَ صوب اليمين فلمحَ جماعةً من الكادحين تترقّب قطعةً حديديةً قديمةً تظلعُ كسلحفاةٍ من بعيد. نفث صيفاً آخر من رئتيه ثمّ مسحَ الغبارَ عن نظارته الطبيةِ العتيقة البرواز بمنديله المتسخ. نهش الجوعُ أمعاءه أكثر فالتفت في استغاثةٍ إلى مبنى الجامعة وراءه. لفتت انتباهه اللافتةُ المتدلية من أعلى بوابتها الضخمة وقد كُتب عليها ” الوطنُ، العلمُ، الإنسانية “. تأمل الكلماتِ الثلاث في غيظٍ، ثم استدار صوب الطريق ثانيةً.
اقتربت “السلحفاة الحديدية” أكثر فتوثبت الأرجلُ للركضِ والسواعدُ للدفعِ والأسنانُ للعضِ والأفواهُ للسباب. حشرَ جسدَه بين الجموعِ ليجدَ نفسه بقدرة قادرٍ داخل قطعةِ الحديدِ الساخنةِ. أحسّ بأكثرَ من يدٍ تتسللُ إلى جيوبه فابتسمَ في سخريةٍ وشماتة. ثوانٍ واخترقت كوعٌ لئيمةٌ كليته اليسرى فأحسّ بألمٍ حادٍ فيها، وقبل أن يفقه ما حدثَ شعرَ بقوةٍ هائلةٍ تقذفُ به إلى الخارجِ وكأنه عروسةٌ بلاستيكيةٌ تافهة.
غاص قلبُه بين ضلوعه ونظارتُه ترتطمُ بالإسفلتِ. عاونه طفلٌ على العثور عليها فرفعها ووضعها على عينيه ثانيةً، ولدهشته كانت أقوى مما كانت عليه. هبت نسمةٌ صيفيةٌ أطارت أوراق الكتاب من يده وبعثرتها بين الواقفين. تعثر وهو يحاولُ الوقوفَ ثم استدار حانقاً. طالعته لافتةُ الجامعة وقد كُتب عليها بخطٍ بارزٍ ” الخبزُ، الدواءُ، المسكن”.
ابتسمَ ابتسامةً غامضةً ثم شدّ قامته وهو ينتظرُ حافلةً جديدةً كانت تسيرُ نحوه بسرعةٍ ونشاط.











