أثرى الوجدان بدررٍ تحولت إلى أيقونات خالدة
** بشرى سليمان
*من قلب “مويس” الوادعة بريف شندي، حيث عانقت روحه سحر الطبيعة في عام 1942، انبعث صوت علي إبراهيم اللحو مشبعاً برائحة الأرض وعنفوان النيل. لم تكن طفولته بين رعي السعية وفلاحة الأرض مجرد نشأة عابرة، بل كانت المخاض الأول لوجدان فنان فُطر على الأصالة؛ فحتى حين ارتدى البزة العسكرية لاحقاً، ظلت جذوة الغناء تتوهج تحت لظى الانضباط، تنتظر لحظة الانعتاق الكبرى.
كان يوم 15 أغسطس 1962 فجراً جديداً في تاريخ الأغنية السودانية، حين خطت قدماه عتبات الإذاعة السودانية. بفيض من الهيبة وصوت جهوري لا تخطئه الأذن، أعلن اللحو عن ميلاد نجم ساطع، لتبدأ رحلة الوصل مع القلوب عبر باكورة أعماله «شوف عيني الحبيب بي حشمة لابس التوب». لم يكن مجرد مطرب جديد، بل كان حامل لواء مدرسة تجمع بين رقة النسيم وجسارة الصقر.
أثرى اللحو الوجدان السوداني بفيض من الدرر التي صارت أيقونات خالدة؛ فمن منا لم تسكنه «السمحة نوارة فريقنا»، أو يحلق مع «الطير الخداري»، أو يستنهض في داخله قيم الفروسية مع «جبار الكسور»، و«الكنينة»، و«دراج المحن». لقد برع في تقديم أغنيات الحماسة و”الصقرية” بأسلوب متفرد، جعل من أدائه المسرحي ملحمة بصرية وقوة تعبيرية تهز الوجدان.
في مسيرته، تلاقت عبقريته مع رهافة شعراء كبار، فشكّل مع الصادق الياس ثنائية باذخة الصدق، ومد جسور الإبداع مع إسحق الحلنقي وقاسم الحاج. ورغم تأثره في بداياته بعمالقة مثل عبد العزيز محمد داؤود وأحمد المصطفى وحسن عطية، إلا أنه استطاع أن ينحت لنفسه تمثالاً فنياً خاصاً، لا يشبه فيه إلا نفسه.
وفي الخامس من فبراير عام 2019، بمدينة القاهرة، ترجل الفارس عن صهوة الحياة بعد صراع صابر مع المرض. غاب اللحو بجسده، لكنه ترك خلفه إرثاً لا يشيخ، وصوتاً سيظل يتردد في ردهات الذاكرة السودانية، يحكي قصة فنان عاش وفياً لتراثه، ومجدداً في فنه، وحارساً لجمال الكلمة والنغم.









