73% من المساحة الأصلية تعرضت للتعديات.. والحرب أوقفت المحاسبة
ثلاثة عقود من الوعود والاقتطاعات والانهيار



من أكبر مشروع رياضي في أفريقيا إلى ساحة حرب
ملف فساد هز السودان.. ثم أوقفته الحرب
المدينة تحولت إلى ساحة قتال بدلاً عن صناعة الأبطال
محاولات جديدة لإنقاذ المشروع المنهك
أكبر مشروع رياضي.. وأطول قصة تعثر
محطات مفصلية
1991.. قرار التأسيس
2019.. فتح ملفات الفساد
2023.. الحرب توقف كل شيء
2026.. بداية طريق الإحياء
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ فكرة إنشاء المدينة الرياضية في السودان بدأت في عام 1966 بواسطة شركة بلغارية، لكن مشكلات التمويل حالت دون تنفيذها، وظلت الفكرة معلقة في أدراج الحكومات المتعاقبة؛ حلم يُحكى ولا يُبنى، وطموح تتناقله الأروقة الرياضية دون أن يرى النور.
ـ ظل ملف المدينة الرياضية مغلقاً رغم وجود معلومات بتحديد الموقع طيلة فترة الديمقراطية الثالثة، لكن بعد شهور قليلة من مجيء نظام الإنقاذ تم إعلان قرار تشييد مدينة السودان الرياضية.
قرار التأسيس
ـ تؤكد وثيقة رسمية صادرة في الرابع من فبراير 1991 صدور قرار يحمل الرقم (45) من رئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك عمر حسن البشير، تم بموجبه تحويل الأرض الزراعية التي تحمل اسم (الساقية 33 مطري الجريف غرب) الواقعة جنوب شرق الخرطوم، والمكوّنة من 354.32 فداناً بمساحة مليون وأربعمائة ألف متر مربع، من أراضٍ زراعية إلى سكنية، وتخصيصها للمدينة الرياضية على أن تُسجَّل باسم وزارة الشباب والرياضة دون تعويض لأصحابها.
ـ وكان المشروع طموحاً بامتياز، إذ خُطط له أن يكون أضخم مدينة رياضية في أفريقيا، تضم مختلف الألعاب الرياضية، بالإضافة إلى ملعب أولمبي يسع 60 ألف متفرج ومجهز بأحدث المواصفات.
ـ لاحقاً وافق رئيس الجمهورية على تعويض أصحاب الأراضي المنزوعة، واستقر رأي لجنة المظالم على تعويضهم بواقع 500 متر مربع سكني مقابل الفدان الواحد في المنطقة الواقعة جنوب السوق المركزي بالخرطوم.
الاقتطاعات الكبرى
ـ هنا تبدأ الجريمة الحقيقية؛ مدينة رياضية بدأت بمليون وأربعمائة ألف متر مربع، وفي غضون سنوات قليلة لم يتبقَّ منها إلا الفتات.
ـ في يونيو من العام نفسه (1994) وقع أول تقليص لمساحة المدينة لتصبح 1,355,000 متر مربع بعد تخصيص 85 ألف متر مربع لصالح جامعة أفريقيا العالمية، ثم جاء الاقتطاع الثالث في يوليو 1995، إذ وافق رئيس الجمهورية على منح هيئة مصحف أفريقيا قطعة أخرى.
ـ ولم تتوقف عمليات النهب عند هذا الحد. يؤكد وزير الشباب والرياضة الأسبق حاج ماجد سوار، في تقرير قدمه أمام البرلمان في نهاية عام 2012، أن عمليات البيع لم تقف عند هذا الحد، بل تم التصرف في بيع مربع (26) الأزهري بمساحة 323,850 متراً مربعاً بواسطة الشؤون الهندسية التابعة لولاية الخرطوم، وامتداد مربع (29) الأزهري بمساحة 55,800 متر مربع، ومربع جنوب السوق المركزي بمساحة 134,880 متراً مربعاً، كما مُنحت جمعية أصحاب الميمنة مساحة بلغت 42 ألف متر مربع، بالإضافة إلى مساحات مختزلة للشوارع شرق وجنوب المدينة بلغت 264,885 متراً مربعاً بواسطة الشؤون الهندسية.
ـ والنتيجة المدمرة أن التعدي وصل إلى نسبة 73% من أرض مدينة السودان الرياضية، حيث تم التعدي على مليون و82 ألف متر مربع من إجمالي مساحة المدينة البالغة 1,488,000 متر مربع.
ـ ويؤكد سوار أن تلك التعديات تخالف الدستور الانتقالي لسنة 2005، كما تخالف قانون الأراضي وقانون التخطيط العمراني والتصرف في الأراضي لسنة 1994 والمادة (183) من القانون الجنائي لسنة 1991.
تعثر البناء
ـ بدأ المشروع عام 1995 على مساحة 1.48 مليون متر مربع، لكنه لم يكتمل حتى اليوم، رغم انكماش المساحة بأكثر من 73% إلى أقل من 408 آلاف متر مربع فقط، وهي مساحة تكفي بالكاد لميلاد ملعب أولمبي عادي.
ـ واكتمال مشروع المدينة الرياضية ظل حلماً يراود السودانيين منذ أكثر من ثلاثة عقود. ويؤكد وزير الرياضة الأسبق حيدر جالكوما، الذي تولى منصبه بين عامي 2015 و2017، أن سبب التأخر يرجع إلى أن الدولة لم تضع إنشاءات المدينة الرياضية ضمن سلم أولوياتها، رغم أن الرئيس أصدر قراراً عقب تكليفه بالوزارة في عام 2015 بتكوين مجلس مهمته بناء المدينة الرياضية يتبع لرئاسة الجمهورية، مع تحديد مدة عامين لإنجاز المهمة التي لم تكتمل.
ـ وتحكي المدينة الرياضية في الخرطوم واحدة من أكبر قصص الفساد في السودان، إذ بدأ العمل فيها قبل نحو 25 عاماً دون أن يكتمل حتى الآن، بعد أن كان من المأمول أن تكون أكبر مدينة رياضية من نوعها في أفريقيا.
ـ وكان من المخطط افتتاح المدينة الرياضية في الثلاثين من مايو 2018، لكن الموعد أُجِّل بسبب تعثر الجهة المنفذة في الالتزام بجداول التسليم.
فتح الملفات
ـ بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، فُتحت ملفات الفساد الكبرى، وكانت المدينة الرياضية في مقدمة القضايا.
ـ ألقت نيابة الفساد والتحقيقات المالية في السودان القبض على خمسة مسؤولين بتهم فساد تتعلق بالتعدي على أصول صرح رياضي قومي، وبحسب بيان وزارة الشباب والرياضة فإن النيابة أوقفتهم بتهمة التورط في ملف المدينة الرياضية.
ـ وقررت النيابة الحجز على أراضي مدينة السودان الرياضية ومنع التصرف فيها، وأوصت بعدم تنفيذ أي أعمال جديدة بالمدينة حتى اكتمال التحقيقات ورفع الملف إلى القضاء.
ـ غير أن الحرب التي اندلعت عام 2023 أوقفت مسار المحاسبة وجمّدت جميع الملفات.
ساحة الحرب
ـ في صباح متوتر سبق العاصفة، دوّى صوت الرصاص من جانب قوات الدعم السريع من داخل المدينة الرياضية، المجمع الذي أُنشئ ليكون رمزاً للبطولات، ليعلن بداية واحدة من أعنف المعارك في تاريخ السودان الحديث، وتحولت معها المدينة الرياضية من حلم رياضي إلى كابوس دموي.
ـ سقط نظام البشير، ونشبت الحرب، وتوقفت التحقيقات حول الفساد الذي صاحب عمليات البناء، وانتهى ذلك الحلم الجميل بانطلاق الرصاص في الحرب الدائرة من مباني مشروع مدينة السودان الرياضية، التي تحولت بعد سيطرة قوات الدعم السريع إلى أحد معسكراتها.
محاولة الإحياء
ـ بعد استعادة أجزاء من الخرطوم، بدأت وزارة الشباب والرياضة تتحرك لإعادة الحياة إلى المدينة الرياضية المنهكة.
ـ أعلن وزير الشباب والرياضة البروفيسور أحمد آدم استكمال عمليات التأمين الخاصة بالمدينة الرياضية ومدينة الشباب، إلى جانب عدد من المرافق الأخرى، وشملت الأعمال المداخل والأبواب الرئيسية.
ـ وكشف الوزير عن ترتيبات جارية لعقد الملتقى الثاني للشباب وملتقى الرياضيين خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب نفرة شبابية كبرى لإصحاح بيئة المدينة الرياضية، أوشك الإعلان عنها رسمياً.
ـ وفي أبريل 2026 استقبل رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس وزير الشباب والرياضة في لقاء استعرض خلاله الوزير واقع الاستادات والملاعب في العاصمة.
ـ ووجّه رئيس الوزراء بتأهيل أرض المعسكرات بسوبا وتهيئتها بأحدث المواصفات العالمية لاستضافة الفعاليات الرياضية، وتنشيط المعسكرات الرياضية داخل السودان وخارجه، كما وجّه ولاة الولايات بمنع الاعتداء على المساحات المخصصة للأنشطة الرياضية والثقافية.
أزمة الملاعب
ـ يعيش السودان أزمة ملاعب حادة تمتد لما هو أبعد من المدينة الرياضية بالخرطوم.
ـ وتقرر إقامة مباراتي المنتخب السوداني في التصفيات الأفريقية المؤهلة إلى نهائيات كأس العالم 2026 بملعب المدينة الرياضية بكريمة، بعد التزام الدولة باستكمال جميع المطلوبات التي حددها الاتحادان الأفريقي (كاف) والدولي (فيفا) لإقامة المباريات على الملعب، والتي تُقدر تكلفتها بحوالي مليون دولار.
ـ أما على صعيد الملاعب الأخرى، فقد قرر الاتحاد السوداني الشروع في تأهيل الملاعب، ووجّه بتكوين لجان مختصة لحصر الأضرار وتقديم تكلفة كاملة تشمل أرضيات الملاعب.
ـ وكان الاتحاد الأفريقي لكرة القدم قد أرسل خطاباً إلى نادي الهلال طلب فيه إجراء عدة إصلاحات على ملعبه لاستيفاء الشروط اللازمة لإقامة المباريات القارية، موضحاً أن المطلوب يشمل تحسين الإضاءة، وتوفير غرفة مراقبة مزودة بدائرة تلفزيونية، وإضاءة للطوارئ.
العبرة الغائبة
ـ قصة المدينة الرياضية في السودان ليست مجرد قصة مشروع لم يكتمل، بل هي مرآة صادقة لعقود من الفساد وسوء الإدارة، حيث نُهبت الأرض قبل أن تُبنى عليها المنشآت، وأُعطيت الأولوية للمصالح الضيقة على حساب الإنجاز الوطني.
ـ لقد كان فساد نظام عمر البشير، وتخبط المشهد السياسي السوداني وعدم استقراره، ثم الحرب التي اندلعت لاحقاً، عوامل مباشرة وراء عدم اكتمال أكبر حلم رياضي سوداني. وتعطلت محاكمات المفسدين، ولا أحد يعلم حتى الآن أين ذهبت المساحات المفقودة ولا من استفاد منها.
ـ واليوم، ومع انبلاج فجر مرحلة ما بعد الحرب، يحمل وزير الشباب والرياضة ومجلس الوزراء السوداني ملف إعادة تأهيل المدينة الرياضية وتهيئتها لاستيفاء متطلبات الكاف والفيفا، لعل الحلم الذي طال انتظاره يرى النور أخيراً بعد أكثر من ثلاثة عقود من الوعود والخسائر.













