تباشير
د. وليد محجوب
في بيتٍ كسائر البيوت، كانت هناك مرآة معلقة على الجدار منذ زمنٍ بعيد. يقف الأب أمامها في كل صباح، لا لينظر إلى وجهه، بل لينظر إلى وجوه أبنائه المنعكسة فيها. وكل مساء، يعود ليقف أمام ذات المرآة، فيجد الصورة نفسها، أبناء مائلون بعيداً عن الصورة التي رسمها لهم في رأسه قبل أن يُولدوا. هكذا يعيش كثير من الآباء، يراقبون أبناءهم من خلف زجاجٍ لا يُظهر إلا ما يريدون رؤيته، لا ما هو كائن بالفعل.
إن نظرة السخط الأبوية التي يعاني منها الأبناء ليست نتاج كراهية أو قسوة، بل هي في غالبها نتاج خوفٍ متجذِّر، وخيبةٍ لم تُقَلْ بصوتٍ مسموع.
فالأب الذي يحلم بغرس جذوراً قديمة في شجرةٍ جديدة ذات جذور مختلفة، يرى في ابنه الذي ينحاز إلى قوانين جيله تمرداً على حلمٍ لم يمت بعد. والأم التي عاشت حياتها في قيودٍ اجتماعية ألِفتها، ترى في ابنتها التي تريد أن تمارس طقوس حياتها بشكل مختلف انهياراً لكل ما صبرت عليه طوال سنوات صباها.
هذه النظرة المرتكزة على شيء من القسوة وتوزيع الأوامر، هي نتاج محبة الوالدين لأبنائهم، لكن على طريقتهم. طريقة الوصاية الصانعة لخندق واسع بينهما، لا طريقة المصاحبة الصانعة لجسر يلتقون في منتصفه.
غير أن هذا الحب الخائف يتحول مع الزمن إلى سجنٍ من الاتهامات. يصبح الأب مقتنعاً بأن ابنه “مخطئ” في كل شيء: في ملابسه، في اختيار أصدقائه، في طريقة كلامه، في أحلامه الصغيرة التي لا تشبه أحلام والده الكبيرة. وكأن الحياة قد كُتبت مرة واحدة في دفترٍ قديم، وعلى الأبناء أن ينسخوا منها دون تعديل.
وهنا تكمن المشكلة الكبرى، أن الآباء لا يرون أبناءهم كبشرٍ مستقلين، بل يرونهم امتدادٍ لأنفسهم، وكأن الابن فرع من شجرة الأب، لا شجرة جديدة بجذورها الخاصة.
لكن السؤال الأعمق هو: هل الأبناء دائماً مخطئون؟ أم أن الخطأ الحقيقي هو في تلك النظرة الأحادية التي لا ترى في الاختلاف إلا تمرداً؟ إن الحياة ليست طريقاً واحداً مُعبَّداً، بل غابة فيها دروب متشعبة، وكل جيل يختار دربه بحسب زمنه وظروفه. الأب الذي نشأ في زمن الفقر يرى في رفاهية ابنه ترفاً، والابن الذي نشأ في زمن السرعة يرى في حذر أبيه تخلفاً. وكلاهما محق من زاويته، ومخطئ من زاوية الآخر.
إن التوافق الذي يطلبه الآباء من أبنائهم ليس توافقاً حقيقياً، بل استسلام. إنه ليس حواراً بين جيلين، بل إملاء من جيلٍ واحد. ولو أن الأب نظر إلى ابنه بعين الفضول لا بعين الحَكَم، لرأى أن الاختلاف ليس خطراً، بل ثراء. ولو أن الابن نظر إلى أبيه بعين الفهم لا بعين الرفض، لرأى أن الخوف الذي يبدو قسوة هو في أصله حب لم يجد طريقة أخرى للتعبير عنه.
في النهاية، الحل ليس في أن يتغير الأبناء ليرضى الآباء، ولا في أن يتخلى الآباء عن قيمهم، بل في أن تتحول المرآة القديمة إلى نافذة. فالنافذة لا تعكس صورة واحدة، بل تُظهر السماء والأرض والناس والطرق المختلفة. وعندها فقط، قد يكتشف الأب أن ابنه لم يكن مخطئاً، بل كان مختلفاً. والاختلاف، في حقيقته، ليس جريمة تستحق السخط، بل دعوة لفهم جديد.
وهكذا، يبقى السؤال معلقاً كالمرآة: هل نريد أن نرى أنفسنا في أبنائنا، أم نريد أن نراهم كما هم؟













