نقطة سطر جديد
عباس الماحي
يحتفل العالم في الثامن من مارس من كل عام باليوم العالمي للمرأة، وهو يوم تتجدد فيه مشاعر التقدير والامتنان لدور المرأة العظيم في بناء الحياة وصناعة الحضارة. فالمرأة ليست مجرد عنصر في المجتمع، بل هي ركيزة أساسية في تكوينه واستقراره وتقدمه؛ فهي الأم التي تحتضن البدايات الأولى للحياة، والزوجة التي تشارك في بناء الأسرة، والأخت التي تنسج روابط المحبة، والابنة التي تمثل الأمل في المستقبل. ومن خلال هذه الأدوار المتعددة تسهم المرأة في تشكيل وجدان المجتمع وصناعة أجياله.
لقد أثبتت المرأة عبر التاريخ قدرتها على العطاء والتضحية والعمل الدؤوب من أجل رفعة أسرتها ومجتمعها، فهي شريكة الرجل في بناء الحضارة الإنسانية، وقدمت نماذج مضيئة في مجالات التربية والتعليم والعمل والخدمة المجتمعية. إن المجتمع الذي يقدر المرأة ويعترف بفضلها هو مجتمع يدرك أن نهضته تبدأ من احترام الإنسان وتمكينه، وأن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي التي تربي النصف الآخر وتصنع قيمه ومبادئه.
وقد كرم الإسلام المرأة تكريماً عظيماً، ورفع مكانتها بعد أن كانت تعاني في كثير من المجتمعات القديمة التهميش والحرمان من الحقوق، فجاء ليؤكد إنسانيتها وكرامتها ويجعل لها حقوقاً وواجبات تحفظ مكانتها في الأسرة والمجتمع. ومن أبلغ ما ورد في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “استوصوا بالنساء خيراً“، وهو توجيه كريم يعكس مكانة المرأة وضرورة احترامها والإحسان إليها.
كما رفع الإسلام مكانة الأم إلى منزلة عظيمة، فجعل برها من أعظم القربات، وقد جاء في الحديث الشريف حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: “من أحق الناس بحسن صحابتي؟“ قال: “أمك“ ثلاث مرات، ثم قال: “أبوك“. كما ورد في الأثر: “الجنة تحت أقدام الأمهات“، وهو تعبير بليغ عن عظمة دور الأم في بناء الإنسان والمجتمع.
وتبدأ رحلة الإنسان في الحياة من حضن أمه، فهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل القيم والمبادئ والسلوكيات. ومن خلال رعايتها وحنانها وتوجيهها تتشكل شخصية الأبناء وتُبنى ملامح مستقبلهم. وقد عبّر الشاعر عن هذا المعنى الخالد بقوله:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها
أعددتَ شعباً طيبَ الأعراقِ
إن تربية الأبناء مسؤولية عظيمة تتحملها المرأة بصبر وإخلاص، فهي تسهر الليالي وتبذل الجهد ليكبر أبناؤها صالحين نافعين لأنفسهم ولمجتمعهم، ولذلك فإن إعداد الأم الصالحة هو إعداد لجيل كامل قادر على بناء وطنه وخدمة أمته.
والزوجة شريكة الحياة وبناء الأسرة، تقف إلى جانب زوجها في مختلف ظروف الحياة، وتشاركه الأفراح والتحديات وتسهم في تحقيق الاستقرار داخل البيت. ومن خلال التعاون والتفاهم بين الزوجين تتكون أسرة متماسكة يسودها الاحترام والمودة والرحمة، وهي اللبنة الأولى في بناء مجتمع قوي ومتماسك.
ولم يعد دور المرأة مقتصراً على الأسرة فقط، بل أصبحت شريكاً أساسياً في مسيرة التنمية والتقدم، فقد أثبتت قدرتها على التميز في مجالات العلم والتعليم والطب والإدارة والاقتصاد والثقافة. كما برز دورها في العمل التطوعي والإنساني من خلال الجمعيات والمنظمات التي تسعى لخدمة المجتمع ومساعدة الفئات المحتاجة وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي.
وفي المجال الاقتصادي أيضاً حققت المرأة نجاحات كبيرة كسيدة أعمال، فأسست شركات ومؤسسات خاصة وأدارتها بكفاءة، وأسهمت في تنشيط الاقتصاد وخلق فرص العمل وتعزيز التنمية. وتؤكد هذه النجاحات أن تمكين المرأة ومنحها الفرص العادلة يسهم في إطلاق طاقاتها الكامنة ويعزز قدرة المجتمع على التقدم والازدهار.
ورغم كل هذه الأدوار، فإن تضحيات المرأة في سبيل أسرتها وأبنائها تظل من أعظم صور العطاء الإنساني، فهي كثيراً ما تقدم احتياجات الآخرين على احتياجاتها الخاصة وتتحمل أعباء الحياة بصبر ومحبة. إن نجاح الأبناء في حياتهم العلمية والعملية هو في كثير من الأحيان ثمرة سنوات طويلة من عطاء الأم والمرأة في الأسرة.
وفي اليوم العالمي للمرأة، فإن أجمل صور التقدير لا تكون في الكلمات والشعارات فحسب، بل في المواقف الصادقة داخل كل بيت. فلتكن هذه المناسبة فرصة للتعبير عن الامتنان لكل امرأة في حياتنا؛ للأم التي أفنت عمرها في العطاء، وللزوجة التي تشارك في بناء الأسرة، وللأخت التي تنشر المحبة، وللابنة التي تحمل أحلام المستقبل.
إن المجتمع الذي يكرم المرأة ويمنحها مكانتها المستحقة هو مجتمع يضع أساساً متيناً لمستقبل أفضل، لأن المرأة ليست فقط نصف المجتمع، بل هي القلب الذي ينبض بالحياة في كل بيت، والعقل الذي يربي الأجيال، واليد التي تسهم في بناء الحضارة وصناعة الغد المشرق.













