د. إقبال الباقر
المشاعر الإنسانية هي المحرك الحقيقي لكل أفعالنا وسلوكياتنا، وهي الفطرة الإلهية التي أكرم الله بها مخلوقاته في الأرض. ولكن ما يمنحها قيمتها العظيمة هو أنها وُهِبت للإنسان العاقل، الذي يدرك تمامًا متى وكيف يتعامل بها مع الآخرين.
فإما أن تكون مشاعر نابعة من السليقة والفطرة السليمة، أي مشاعر إيجابية، مع مراعاة شرع الله وقوانينه، وإما أن تكون مشاعر منهكة وشرسة، تدمر وتبيد وترتكب الجرائم في حق البشرية، كما شهد التاريخ في مختلف الحروب والصراعات.
لقد خلق الله البشر لعمارة الأرض وعبادته، ليكون عالمنا عالمًا بشريًا مسالمًا، بعيدًا عن نزغات الشر التي باتت تحيط بمجتمعاتنا، حتى أصبح الحسد، والغيرة، والسحر، والجحود، ظواهر أصابت السواد الأعظم من المجتمعات، من أصغرها إلى أكبرها.
ويعود هذا الشعور العدواني إلى ضعف الوازع الديني، الذي يهذب الروح والسلوك، ويذيب مشاعر الشر لتطغى عليها قيم الخير والمحبة. كما أصبحت النفس البشرية تعاني من سرعة إيقاع الحياة، التي تركت آثارًا متفرقة ومتفاوتة على كل شخص، فتترجم ردود الأفعال بصورة متباينة ومخيفة، تخلق ربكة حقيقية في العلاقات الإنسانية.
إن الغوص في التركيبة النفسية المعقدة للإنسان وتحليلها يتطلب مجهودًا كبيرًا في فهمها والتفاعل معها، حتى تؤتي ثمارها الطيبة، وصولًا إلى مجتمع متعافٍ ومتوازن.
ولكي ندرك معطيات عصر التكنولوجيا ووسائل الإعلام الحديثة، وما أحدثته من تأثيرات عميقة في معتقداتنا وعاداتنا وقيمنا الأصيلة، وما أصابها من عطب، فإنني أدعو إلى علاج جذري يبدأ بالعودة إلى قواعد الأسرة السليمة، فهي الحصن الأول لمجتمعنا الذي أنهكه الجفاف العاطفي وضعف التربية الأسرية.
لقد كان الابتعاد عن مسؤوليتنا الاجتماعية الأولى، وهي رعاية الأبناء في مناخ سوي، سببًا في كثير من الاختلالات التي نشهدها اليوم. فالأبناء يحتاجون إلى مشاعر وعواطف مستقرة، تضمن لهم الإشباع النفسي منذ وجودهم في رحم الأم، ثم في حضن والديهم، وبعدها داخل الأسرة الصغيرة، ثم الأسرة الممتدة، والجيرة، والمعارف، والأصدقاء، ومراحل التعليم المختلفة، حتى يبلغوا مرحلة النضج النفسي والاجتماعي السوي.
وبذلك لا تدهسنا ثقافات فرضت نفسها علينا من الخارج، وأسهمت في إضعاف منظومة الترابط الأسري والمجتمعي التي كانت تقوم بدور تربوي أصيل، مع ضرورة مواكبة ما يدور من أحداث، حتى لا نكون خارج المنظومة الاجتماعية المحلية والعالمية.
وكلما صلحت التربية هدأت النفس البشرية واستقرت، وكلما صفت النفوس واستقرت، ازدهرت الشخصية الإنسانية، وأبدعت بعيدًا عن الاضطراب والتذبذب.
وفي الختام، أيها العقل النير الذي يلتهم حروف كلماتي بشغف، أشكرك من القلب على تقبلك هذا المقال، الذي أرجو أن يكون بداية لسلسلة من الموضوعات التي تمس حياتنا اليومية، لنعيش واقعًا أفضل. لا أقول واقعًا مثاليًا، ولكن واقعًا نسعى إلى الارتقاء به قدر المستطاع، فذلك هو جوهر رسالتي.
لقد أسعدني تفاعلكم مع هذا العمود، وأتمنى أن يكون مؤنسًا، وهادفًا، ومفيدًا، وأن يجد لديكم القبول، مع خالص الاحترام والتقدير.













