بهدوء
علم الدين هاشم
لم يكن تأهل المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم بعد فوزه المستحق بثلاثية نظيفة على كندا مجرد انتصار في مباراة لكرة القدم، وإنما كان إعلاناً جديداً عن نجاح مشروع رياضي متكامل بُني على التخطيط والعلم والصبر، حتى أصبحت الكرة المغربية واحدة من أبرز قصص النجاح في القارة الأفريقية.
المنتخب المغربي لا يحصد اليوم إلا ما زرعه اتحاد الكرة هناك منذ سنوات ، فقد آمن القائمون على اللعبة بأن صناعة منتخب قوي لا تبدأ قبل أشهر من البطولات، وإنما تبدأ من القواعد، ومن الأكاديميات، ومن اكتشاف المواهب، ومن توفير أفضل بيئة فنية وإدارية للاعبين، مع الاهتمام بجميع المنتخبات السنية، حتى أصبح المنتخب الأول هو الحلقة الأخيرة في سلسلة عمل احترافي طويل !
ولهذا لم يعد تفوق المغرب مفاجأة، بل أصبح نتيجة طبيعية لمشروع واضح المعالم، يعتمد على التخطيط والاستقرار والدعم الفني والمالي، بعيداً عن القرارات الارتجالية وردود الأفعال التي أضاعت سنوات طويلة على كثير من الاتحادات الأفريقية !
وفي المقابل، لا يزال اتحاد د معتصم واسامه عطا المنان يعيش في دوامة من الفوضى الإدارية والعشوائية، دون أن يقدم مشروعاً حقيقياً يعيد الكرة السودانية إلى مكانها الطبيعي حيث تتوالي السنوات والنتائج تتراجع، والمنتخبات تغيب عن منصات الإنجاز، بينما لا يتغير الخطاب الرسمي، إذ تُلقى أسباب الإخفاق في كل مرة على ظروف الحرب أو غيرها من المبررات !!
ولا أحد ينكر أن الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على السودان، لكن الحرب لا يمكن أن تكون تفسيراً لكل هذا التراجع، ولا مبرراً لاستمرار غياب الرؤية فالتخطيط السليم يستطيع أن يقلل الخسائر، وأن يحافظ على مسار التطوير حتى في أصعب الظروف، أما الاكتفاء بترديد الأعذار فلن يصنع منتخباً، ولن يبني مستقبلاً.
الفرق بين المغرب والسودان ليس في المواهب، فالسودان ظل على مر التاريخ منجماً للاعبين المميزين، وإنما يكمن في الإدارة ،، فهناك اتحاد يعمل وفق مشروع طويل الأمد، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون، وهنا إدارة فاشلة تتنقل من أزمة إلى أخرى دون مراجعة حقيقية أو محاسبة جادة، وكأن استمرار الفشل أصبح أمراً عادياً.
لقد قدم المغرب درساً جديداً لكل القارة بأن الإنجازات لا تُشترى، ولا تُولد بالصدفة، وإنما تُصنع داخل المكاتب قبل أن تُحسم داخل الملاعب. ومن أراد أن ينافس الكبار، فعليه أولاً أن يتعلم كيف يخطط مثل الكبار، وإلا ستظل الكرة السودانية أسيرة دائرة الأعذار، بينما يواصل الآخرون صناعة الأمجاد !.











