كيف أنهى حوار “آكشن سبورت” الجدل و أعاد التوازن إلى المشهد
الإعلام المسؤول يصنع الفارق في الأزمات
التحول نحو التصنيع يغير فلسفة القطاع
تأهيل المسالخ خطوة عملية رغم التحديات
اقتصاد الذبيحة رؤية جديدة لتعظيم القيمة
الأسواق العالمية تفتح أبوابها أمام المنتج السوداني
الحوكمة الرقمية طريق الإصلاح ومكافحة الفساد
الشراكات الدولية تعزز الاستثمار وتحمي الموارد
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
في زمنٍ تتكاثر فيه الروايات المبتورة، وتتصاعد فيه حملات الاستهداف عبر منصات التواصل، يصبح التحقق من الحقيقة مسؤولية مهنية لا تقبل التهاون. ومن هذا المنطلق، جاء الحوار الذي أجرته صحيفة “آكشن سبورت” مع البروفيسور أحمد التجاني عبدالرحيم المنصوري وزير الثروة الحيوانية والسمكية، ليعيد ترتيب المشهد، ويضع حداً لحالة من الجدل أُثيرت حول واحدة من القضايا التي شغلت الرأي العام خلال الفترة الماضية.
فقد تصاعدت موجة من الاتهامات استندت إلى قراءة مجتزأة لتدوينة قديمة على منصة “لينكد إن” لسعادة الوزير، جرى توظيفها بصورة غير دقيقة لتصوير الأمر وكأنه بحث عن عمل إضافي، في محاولة للنيل من شخصية عامة تتولى مسؤولية تنفيذ مشروع وطني كبير. غير أن التمحيص في الوقائع، والعودة إلى السياق الزمني والمهني، أظهر بوضوح أن ما تم تداوله لا يعكس الحقيقة، وأنه جرى إخراجه من سياقه الطبيعي.
وقد أسهم الحوار في تفكيك هذا الالتباس، حيث انجلت الصورة أمام الرأي العام، وتراجعت حدة الجدل، لتفسح المجال أمام نقاش أكثر جدية حول جوهر القضية: مستقبل قطاع الثروة الحيوانية في السودان، والجهود المبذولة لإعادة بنائه على أسس حديثة.
وفي هذا الإطار، تبرز ملامح رؤية متكاملة تعمل وزارة الثروة الحيوانية والسمكية على تنفيذها، تقوم على الانتقال من النمط التقليدي القائم على تصدير الماشية الحية، إلى نموذج أكثر تقدماً يعتمد على تعظيم القيمة المضافة من خلال تصدير اللحوم والمنتجات المصنعة. وهو تحول استراتيجي من شأنه أن يضاعف عائدات القطاع، ويحقق قيمة اقتصادية أعلى للدولة وللمربي على حد سواء.
وقد شهدت الفترة الماضية خطوات عملية في هذا الاتجاه، من بينها تأهيل عدد من المسالخ لتكون قادرة على تلبية الاشتراطات الصحية والفنية المطلوبة للتصدير، رغم التحديات التي واجهت القطاع، بما في ذلك الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة الظروف التي مرت بها البلاد. ويعكس ذلك توجهاً جاداً لإعادة بناء منظومة إنتاج حديثة، تستجيب لمتطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.
وفي سياق متصل، تتجه الوزارة إلى تطوير الصناعات المرتبطة باللحوم ضمن رؤية متكاملة لتعظيم القيمة المضافة، تشمل الاستفادة من الجلود في صناعات ذات قيمة عالية، وتصنيع الأمعاء إلى خيوط جراحية، إلى جانب استغلال مخلفات الذبح في مجالات صناعية متعددة. وتعكس هذه المقاربة فهماً متقدماً لاقتصاديات الإنتاج، يقوم على مبدأ تعظيم الاستفادة من كامل الذبيحة، وتحويل كل مكون إلى مصدر دخل إضافي، بما يسهم في رفع القيمة الإجمالية للمنتج إلى عدة أضعاف.
وفي جانب الإنتاج، تمضي الوزارة في تنفيذ برامج تستهدف رفع إنتاجية القطيع وتحسين جودة اللحوم، من خلال دعم صغار المربين والرعاة، ومعالجة التحديات المرتبطة بالتركيبة الوراثية التي تؤثر على الأوزان، فضلاً عن التشدد في تطبيق الاشتراطات الصحية والفحص البيطري. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان وصول منتجات سودانية مطابقة للمواصفات العالمية، وقادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
كما تتجه الجهود إلى فتح أسواق جديدة أمام الصادرات السودانية، في ظل وجود طلب متزايد على المنتجات الحيوانية، مع العمل في الوقت ذاته على تهيئة البنية التحتية والمؤسسية التي تمكن من الدخول إلى الأسواق الأكثر تشدداً، وفي مقدمتها السوق الأوروبي، الذي يتطلب معايير دقيقة في مجالات سلامة الغذاء والتتبع وسلاسل الإمداد.
وعلى صعيد العمل المؤسسي، يبرز توجه واضح نحو تعزيز الحوكمة والشفافية، من خلال إدخال أنظمة رقمية تسهم في تقليل البيروقراطية، والحد من الفساد، وتحسين كفاءة الأداء الإداري والمالي. كما يجري الاستثمار في تدريب الكوادر ورفع قدراتها، بما يواكب التحولات المطلوبة في إدارة هذا القطاع الحيوي.
ولا تنفصل هذه الجهود عن مساعي جذب الاستثمارات والشراكات الإقليمية والدولية، حيث تتوفر فرص واعدة في مجالات الإنتاج الحيواني والصناعات المرتبطة به، مع التأكيد على أهمية أن تتم هذه الشراكات في إطار يحفظ الموارد الوطنية، ويحقق مصالح متبادلة.
إن قراءة متأنية لهذه المعطيات تكشف أن ما يجري ليس مجرد إدارة يومية لقطاع تقليدي، بل محاولة جادة لإحداث تحول هيكلي في واحد من أهم القطاعات الاقتصادية في السودان. وهو تحول يتطلب وقتاً، واستقراراً، وبيئة إعلامية مساندة تقوم على النقد المسؤول لا على الاستهداف.
لقد أكدت تجربة هذا الحوار أن الكلمة المهنية قادرة على إعادة التوازن، وأن الإعلام حين يلتزم بدوره الحقيقي، يصبح جزءاً من الحل لا من الأزمة. كما أظهرت أن الحكم على التجارب ينبغي أن يستند إلى الوقائع والإنجازات، لا إلى اجتزاءات عابرة أو تأويلات غير دقيقة.
واليوم، وبعد أن هدأت موجة الجدل، وعادت الحقائق إلى مسارها الصحيح، تتجه الأنظار إلى ما هو أهم: دعم الجهود الرامية إلى تطوير قطاع الثروة الحيوانية، باعتباره أحد مفاتيح النهوض الاقتصادي، وأحد المجالات التي يمكن أن تسهم بفاعلية في تحقيق الاستقرار والتنمية.
وفي نهاية المطاف، تبقى الرسالة الأهم أن هذا الوطن يحتاج إلى بيئة تتسع للعمل الجاد، وتحمي المشاريع الطموحة، وتمنح الفرصة للأفكار التي تسعى إلى البناء، بعيداً عن الضجيج الذي لا ينتج سوى التشويش.













