صوت الحقيقة
أسماء إدريس
ليس كل نجاح يمر بصمت، وليس كل تميز يُقابل بالتصفيق. فحين يجتمع النجاح مع القبول، ويزينهما حسن الخلق والجمال، تصبح هذه النعم محط أنظار الجميع، ويجد أصحابها أنفسهم أمام اختبار جديد اسمه الحسد والغيرة. غير أن ما يهبُه الله من رزق وفضل لا يُنتزع بالحسد، وإنما يُحفظ بالشكر، ويزداد بالاجتهاد والإخلاص.
لقد جعل الله الأرزاق متنوعة، فمن الناس من رُزق علمًا، ومنهم من رُزق جمالًا، ومنهم من رُزق قبولًا في القلوب، ومنهم من جمع الله له أكثر من نعمة. وهذه العطايا ليست سببًا للعداوة أو التنافس غير الشريف، بل دافعًا للعمل والتطوير والسعي نحو الأفضل.
وفي الوسط الإعلامي، تتجلى هذه الحقيقة أكثر من أي مكان آخر؛ فالإعلام ليس لقبًا، ولا شهرة، ولا مجرد ظهور أمام الكاميرات أو عبر المنصات، بل هو رسالة سامية وأمانة عظيمة، لا يستطيع حملها إلا من امتلك العلم، والثقافة، والأخلاق، والإحساس بالمسؤولية.
فالإعلام أدب في الحديث، وسلوك في التعامل، وذوق في الطرح، ورقي في الحوار، وفن في إيصال الرسالة. والإعلامي الحقيقي هو واجهة لوطنه ومؤسسته، وقدوة في مظهره، وأخلاقه، واحترامه للآخرين، واتزانه في مواقفه. وهو من يقود نحو الوعي، ويغرس قيم التسامح، ويخدم المجتمع بكلمة صادقة ومعلومة موثوقة.
أما الغيرة الإيجابية، فهي وقود للنجاح، تدفع صاحبها إلى التعلم والتطوير والمنافسة الشريفة. أما الحسد، فلا يصنع إنجازًا، بل يستهلك صاحبه في مراقبة الآخرين، ويحرمه متعة البناء والتقدم، لأن من ينشغل بإسقاط غيره ينسى أن يرتقي بنفسه.
إن الوصول إلى القمة لا يكون بالادعاءات، ولا بالتقليل من نجاح الآخرين، ولا بإخفاء إنجازاتهم أو التشكيك فيها، وإنما يكون بالعمل الجاد، والاجتهاد، والتعلم المستمر، واحترام المهنة وأخلاقياتها. فالقمة تتسع لكل مجتهد، ولا يبقى فيها إلا أصحاب العطاء الحقيقي.
وإذا أردنا وطنًا معافى ومجتمعًا متماسكًا، فعلينا أن نجعل المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية، وأن يكون الإعلام شريكًا في البناء والإصلاح، لا أداة للهدم أو بث الفرقة. فالكلمة الصادقة تبني الأوطان، والإعلام الواعي يصنع الوعي، ويغرس الأمل، ويقود المجتمع نحو مستقبل أفضل.
وفي النهاية، يبقى الجمال نعمة، والنجاح نعمة، والقبول في قلوب الناس نعمة عظيمة، وكلها أرزاق من الله لا يمنعها حاسد، ولا ينتزعها مدعٍ. وسيظل الإعلامي الحقيقي هو من يترك أثرًا في العقول والقلوب بعلمه وأخلاقه وإخلاصه، لأن المجد لا يُمنح بالشعارات، بل يُبنى بالعمل، والكلمة الصادقة، والضمير الحي.













