بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
قبل أسبوع من سفري هذا، ومع عثمان أب لوبة في بنك الخرطوم بأم درمان، حولتُ مئة الجنيه السودانية بمئة وعشرة دولارات! يا له من زمن! تُرى هل يعود ثانية؟ ثم دلفت مع صديقي عادل محجوب إلى سوق الخرطوم بحري عصرًا لأتزود للطريق، وأشتري أشياء تُباع في مصر: أمواس حلاقة، و”تسالي”، وشاي الزهرة.
في اليوم الثاني في الباخرة 10 رمضان كنا “نتشابى” لنرى معالم أم الدنيا، دون جدوى، ثم تجولنا في “أدوار” الباخرة، كأننا نبحث عن شيء مفقود. وتعرفنا على أصدقاء جدد. هذا (عبد المنعم) شاب وقور هادئ، إذا تحدّث تبسّم بثقة مفرطة، يبدو أكبر من سنه، كان يريد الدراسة في هولندا، لأن له أخًا يعمل هناك. ثمة طلاب كثيرون يقصدون الشمال معنا. جرثومة النجوع إلى الشمال غرسها في شباب بلادي (مصطفى سعيد)، لكنه، وبعد أن استمرأ برد الشمال، وأحاديث الـ “هايد بارك”، وعالم (آن همند) و(جين مورس) عاد إلى قرية عند منحنى النيل، مثل قريتي التي قدمت منها، وعاش حياة آبائنا وأجدادنا، مزارعًا مصادقًا للنيل في انحساره وفيضانه، وفي أغواره يمور حزن دفين اختبأ مع مقطع حزين من قصيدة ت. س. اليوت (الأرض اليباب):
هؤلاء نساء فلاندرز
ينتظرن الضائعين
ينتظرن الضائعين الذين أبدًا لن
يغادروا الميناء
ينتظرن الضائعين الذين أبدًا لن يأتي
بهم القطار
إلى أحضان هؤلاء النسوة
ذوات الوجوه الميتة
ينتظرن الضائعين
الذين يرقدون موتى
في الخنادق والحاجز والطين
في ظلام الليل
هذه محطة تشارينغ كروس
الساعة تجاوزت الواحدة
ثمة ضوء ضئيل
ثمة ألم عظيم..
….
وصادق (قريب الله) على سطح الباخرة “خواجة” عاش في السودان ردحًا من الزمن. تواصلنا معه بإنجليزية الثانوية التي كانت لا بأس بها آنذاك. وفي المساء أناخت الباخرة مرة أخرى بالقرب من “أبو سمبل”، وقيل لنا إن السد العالي ليس بعيدًا، وقد كان ذلك كذلك، فبعد قضاء ليلتنا تلك آمنين، ارتقينا إلى السطح فلاحت لنا معالم السد العالي، أبراج بيضاء، تلوح كقطع سحابات في السماء، ثم جاءتنا “يخوت” مصرية تقل ضباط الجوازات وأفراد الشرطة، وفرقًا صحية لرش الباخرة!
وفي صف الجوازات الطويل “لُكْنا” الصبر، وارتقى بعضنا السلالم انتظارًا لدوره.
ثم رست الباخرة في ميناء السد العالي. ميناء ضخم، جيد التشييد، لا تراب هنا ولا غبار. وتحت “الجملون” الكبير الذي يمثل نهاية خط السكة الحديد المصرية جنوبًا، وقريبًا من الرفاق، عثمان وقريب الله وعماد ومصطفى، أخرجت “بضاعتي القليلة” التي جلبتها للبيع وبعتها بأضعاف أثمانها، بجنيهات مصرية “عُراض”، تشبه “صفق العُشر” كما تقول نسوة قريتي!.












