د. إقبال الباقر
النرجسية ليست ثقة زائدة بالنفس، بل هي اضطراب في الشخصية يجعل صاحبها يرى العالم من ثقب واحد: «أنا»، وما عداي أدوات لخدمة هذه الأنا. قد يكون مديراً، صديقاً، زوجاً، خطيباً، أباً، أماً، أو فرداً من العائلة؛ لذلك أذاها لا يرتبط بمكان، بل بطريقة تعامل واحدة تتكرر أينما حلّ صاحبها.
البصمة التي لا تتغير
• البداية دائماً مبهرة، فيما يُسمى «قصف الحب»: اهتمام مفرط، حضور دائم، وكلام يوحي بأنكم الاستثناء.
• ثم يبدأ سحب البساط، ونقد مغلف بنصيحة: «لو كنت تهتم بي فعلاً لفعلت كذا».
• التقليل من الإنجاز، واللوم المستمر، وإنكار ما قيل بالأمس، وإقناعكم بأنكم تتوهمون.
• عدم احتمال أي نقد، ولو كان بسيطاً، والغضب الشديد عند سماع كلمة «لا».
• تقسيم الناس إلى فئتين: معجبون يصفقون، أو أعداء يهددون الصورة.
ماذا يحدث للطرف المتضرر؟
الضرر لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل: تشكيك في الحدس والذاكرة، وترديد داخلي: «ربما أنا المخطئ»، وعزلة تدريجية عن الأهل والأصدقاء، وقلق ونوم متقطع، وشعور دائم بالذنب، واستنزاف عاطفي؛ عطاء بلا توقف، وبلا حق في التعب أو الاعتراض.
صورها في حياتنا
في العمل: مدير يسرق الأفكار وينسبها لنفسه، يمدحكم أمامكم ويقلل منكم أمام الآخرين، ولا يتحمل أن يتفوق أحد في فريقه.
في الصداقة: صديق يظهر وقت حاجته فقط، يغار من نجاحكم لا لكم، ويجعلكم تشعرون أنكم مقصرون مهما قدمتم.
في العلاقة الزوجية: سيطرة على المال والقرار والمشاعر، والحب مشروط بالطاعة الكاملة.
في الخطوبة: دورة متكررة؛ اهتمام جنوني، ثم اختفاء، ثم عودة مع لوم، ومحاولة تغيير الأصدقاء والشخصية واللباس بدعوى الحب.
في الأسرة: والد أو والدة أو أخ يرى الأبناء امتداداً لصورته، يحبهم بشرط التفوق الذي يلمّع صورته، ويعتبر أي اختلاف عقوقاً أو خيانة.
كيف تتعاملون بحكمة بلا حرب؟
1. قاعدة الحجر الرمادي: كونوا مملين أمام الاستفزاز، ولا تمنحوا ردة فعل كبيرة؛ فالنرجسي يتغذى على الدموع والغضب.
2. لا تبرروا كثيراً: كثرة التبرير تمنحه مادة إضافية ليقلبها ضدكم.
3. ضعوا حدوداً واضحة ومكتوبة: ما هو مقبول وما هو غير مقبول، ووثّقوا الاتفاقات المهمة، ولا تعتمدوا على الوعود الشفهية.
4. لا تدخلوا في جدال لإثبات الحق: تكفي جملة هادئة: «أتفهم وجهة نظركم وسأفكر»، ثم إنهاء النقاش.
5. ابنوا شبكة أمان: صديق واعٍ، وعمل تحبونه، ومصدر دخل ولو بسيطاً، ومساحة خاصة؛ فهذه هي التي تمنع السقوط حين تشتد العزلة.
6. متى يكون البعد نجاة؟ إذا تحول الإيذاء إلى جسدي، أو إلى إساءة لفظية مهينة يومياً، أو بدأ الأطفال يقلدون الخوف، أو أصبحت فكرة الاختفاء تراودكم، فهنا لم يعد السؤال: هل نستمر؟ بل: كيف نخرج بخطة آمنة وبأقل الخسائر؟
النرجسي لا يتغير بالحب وحده؛ فالحب لا يعالج اضطراباً. التغيير يحتاج إلى اعتراف ورغبة صادقة وعلاج طويل، وهذا نادر.
العلاقات وُجدت لترممكم لا لتهدمكم، ومن لم يزدكم احتراماً لذاتكم، فالحفاظ على مسافة منه حفاظ على الروح.













