هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ عندما يُفتح ملف التدريب في نادي الهلال فإن الحديث لا يقتصر على أسماء مدربين تعاقبوا على الدكة الفنية بل يمتد إلى مدارس كروية مختلفة وتجارب متباينة ومشاريع نجحت وأخرى تعثرت وأحلام جماهير ظلت معلقة بالوصول إلى منصة التتويج الإفريقية.
ـ منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم مر على الهلال عشرات المدربين الوطنيين والأجانب بعضهم ترك بصمة لا تُنسى وبعضهم غادر سريعاً دون أثر يُذكر.
ـ يعتبر المدرب التشيكي جورج أستاروستا من أوائل المدربين الأجانب الذين وضعوا الأسس العلمية الحديثة لكرة القدم داخل الهلال حيث بدأ عمله عام 1963 ويُنسب إليه إدخال الفكر التكتيكي الأوروبي وتنظيم العمل الفني بصورة أكثر احترافية ومنذ ذلك الوقت أصبح الهلال وجهة للمدربين من أوروبا وأفريقيا والعالم العربي.
ـ أبرز المدربيـن الوطنيين في تاريخ الهلال فوزي المرضي
وأحمد عبد الله والفاتح النقر وصلاح احمد آدم وغيرهم قادوا الهلال وأسهموا بدرجات متفاوتة في مسيرة النادي وكانوا غالباً الأكثر فهماً لطبيعة المنافسة المحلية والبيئة السودانية.
ـ أبرز المدربين الأجانب من المدرسة المصرية الذين تولوا تدريب الهلال مصطفى يونس وطارق العشري وحمادة صدقي وقد حقق بعضهم نجاحات متفاوتة محلياً وقارياً بينما اصطدم آخرون بضغوط الجماهير والإدارة.
ـ من المدرسة التونسية كان نبيل الكوكي من أشهر المدربين الذين مروا على الهلال خلال العقد الأخير،د وتميز بانضباطه التكتيكي وقدرته على تنظيم الفريق لكنه غادر قبل إكمال مشروعه الفني.
ـ من المدرسة الأوروبية كان هناك باتريك أوسيمس وصل وسط آمال كبيرة لكنه لم يحصل على الوقت الكافي وغادر بعد فترة قصيرة وميشيل كافالي جاء بمشروع فني واضح لكن تجربته انتهت سريعاً بعد خلافات حول الأداء والنتائج ، وريكاردو فورموسيني جاء إلى الهلال بخبرة أوروبية كبيرة وعمل سابقاً ضمن الجهاز الفني للمدرب الشهير جوزيه مورينيو لكن تجربته لم تدم طويلاً وكامبوس والبرازيلي ريكاردو وغيرهم من المدربين الأجانب.
وفي فترة الكاردينال تعاقب على تدريب الهلال الكثير من المدربين الذين لم يستمروا طويلاً جراء ما يعرف بعبارة (كيسو فاضي) ثم تعقبها (كيسو طار) التي ابتدعها الإعلام الكاردينالي وبسببها (طار) الكثير من المدربين.
ـ وهكذا تقلب الهلال بين المدربين الوطنيين والمدربين الأجانب حتى مرحلة الكنغولي فلوران إيبينجي والروماني ريجيكامب.
ـ من إيجابيات المدرب الوطني أنه يعرف اللاعب السوداني جيداً ويفهم طبيعة المنافسة المحلية وأقل تكلفة مالياً ولا يحتاج فترة طويلة للتأقلم وأكثر قدرة على التعامل مع الضغوط الجماهيرية المحلية ومن سلبياته محدودية الاحتكاك الخارجي وتأثره أحياناً بالعلاقات الاجتماعية والضغوط الإعلامية وضعف الخبرة القارية مقارنة ببعض المدارس الأجنبية وقلة الاطلاع على أحدث التطورات التكتيكية لدى بعض الأسماء.
ـ من إيجابيات المدرب الأجنبي أنه يضيف فكراً ومدرسة جديدة ويرفع الانضباط والاحترافية ويمتلك خبرات قارية ودولية أكبر ويساعد في تطوير اللاعبين بدنياً وتكتيكياً وأكثر قدرة على إدارة المباريات الأفريقية الكبيرة ومن سلبياته التكلفة المالية العالية وحاجته لوقت للتعرف على البيئة السودانية وعدم فهم بعضهم لطبيعة الدوري السوداني.
ـ كثرة تغيير المدربين تؤدي إلى فشل المشاريع الفنية والمشكلة لم تكن دائماً في المدرب نفسه بل في غياب الاستقرار الإداري والفني فالهلال خلال فترات كثيرة كان يغير المدربين بسرعة كبيرة ويبدأ مشروعاً ثم يهدمه قبل اكتماله لذلك تعاقب على الفريق مدربون أصحاب سير ذاتية جيدة لكنهم لم يحصلوا على الوقت الكافي لتطبيق أفكارهم.
ـ من هو المدرب الأفضل للهلال ..؟ إذا كان الهدف هو الفوز بالدوري السوداني أو البطولات المحلية فقد أثبت المدرب الوطني عبر التاريخ أنه قادر على تحقيق ذلك متى ما توفرت له الإمكانات أما إذا كان الهدف هو تحقيق الحلم الأكبر أي الفوز بدوري أبطال أفريقيا فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن الهلال يحتاج إلى مدرب صاحب خبرة قارية كبيرة ومدرسة تدريبية متطورة مع مشروع طويل الأمد واستقرار إداري كامل بمعنى آخر أن المدرب الوطني يصلح لإدارة الفريق وتحقيق النجاح المحلي أما المشروع الأفريقي الكبير فيحتاج إلى مدرب أجنبي صاحب تجربة وخبرة قارية بشرط أن تمنحه الإدارة الوقت والدعم والاستقرار والحقيقة التي تؤكدها كل التجارب أن المشكلة لم تكن يوماً في جنسية المدرب بقدر ما كانت في غياب المشروع المستدام فالمدرب الوطني والأجنبي حققا نجاحات للهلال لكن اللقب الأفريقي ظل عصياً لأن الهلال كثيراً ما غيّر المدربين قبل أن تكتمل المشاريع الفنية فكان الفريق يبدأ من الصفر كل عام تقريباً.
ـ نادي الهلال للتربية تأسس في 13 فبراير 1930 في أم درمان وهو أول نادٍ يطلق عليه اسم الهلال في الوطن العربي، مما يعني أنه رائد أندية الهلال في العالم العربي كله ناد بهذا العمر وهذا التاريخ وهذا الوزن الوجداني لدى الشعب السوداني لا يستحق أن يبقى أسير سؤال أجنبي أم وطني ..؟ بل يستحق أن تُبنى له استراتيجية تدريبية مؤسسية تجمع خبرة الوطني في فهم البيئة مع انفتاح الأجنبي على العالم ضمن مشروع رياضي طويل النفس لا تجهضه أزمة نتيجة واحدة أو ضغط جمهور غاضب في ليلة خاسرة.
ـ الهلال يستحق مدرباً يبقى طويلاً مهما كانت جنسيته يؤمن بالمشروع ويصبر على البناء ويعلم أن النهائي الأفريقي الغائب منذ 1992 ونيل البطولة الكبرى ليس بعيداً عن الجوهرة الزرقاء بل هو في انتظار العقل الذي يصنع التاريخ لا الذي يدير المباريات فحسب.











