بلا ميعاد: عوض أحمد عمر
- في مشهد يختلط فيه الرياضي بالسياسي، والخاص بالعام، وتسيطر عليه حالة من الاستعجال، يمضي اتحاد كرة القدم نحو تنظيم بطولة النخبة لأندية الممتاز، وكأن الواقع القائم لا يلقي بظلاله، ولا يفرض حساباته، ولا يستوجب التأني والتفكير العقلاني قبل الإصرار على الانطلاق من العاصمة الخرطوم، سواء على المستوى الرياضي أو السياسي.
- تنظيم أي منافسة لا يقوم على الرغبة وحدها، ولا يُبنى على مجرد إعلان جدول أو تحديد مدينة مستضيفة، بل هو عملية متكاملة تتطلب الحد الأدنى من المقومات اللوجستية والفنية والأمنية والإدارية، مع مراعاة ظروف الأندية المشاركة بلا تمييز.
- وعندما يكون الحديث عن انطلاقة البطولة في الخرطوم، فإن السؤال المهم يظل قائمًا: هل اكتملت هذه الشروط فعلاً؟ أم أن القرار جاء متعجّلًا، كما هو منهج الاتحاد، وهذه المرة متجاوزًا جملة من المعوقات المرئية وغير المرئية، التي تجعل من إعادة النظر واختيار مدن أخرى خيارًا أكثر عقلانية؟
- الوقائع تشير إلى وجود تحديات حقيقية، بعضها يتعلق بالبنية التحتية، من ملاعب غير مكتملة الجاهزية، ونقص في التجهيزات الأساسية، وصولًا إلى قضايا الإقامة والترحيل. وبعضها الآخر أكثر خطورة، يرتبط بالوضع الأمني العام، ومدى القدرة على تأمين الفرق والأجهزة الفنية والجماهير – إن وجدت.
- فهل تم وضع خطة متكاملة للتأمين؟ وهل هناك تنسيق فعّال بين الاتحاد والجهات المختصة؟ أم أن الأندية ستُترك مرة أخرى لتحمّل ما لا طاقة لها به، في منافسة لا تبدو أولوياتها رياضية بالكامل؟
- الأندية، وهي الطرف الأضعف في هذه المعادلة، تعاني أصلًا من أزمات مالية خانقة، وضعف في الموارد، وانعدام للاستقرار الإداري والفني. وإقحامها في بطولة كبرى في هذه الظروف دون توفير الحد الأدنى من الضمانات، يُعد تحميلًا لها فوق طاقتها، ويجعل مشاركتها أقرب إلى “أداء واجب وديكور” منه إلى تنافس حقيقي.
- ثم يبرز سؤال أكثر حساسية: من يقف وراء هذا الإصرار؟ هل هو قرار خالص من اتحاد الكرة، أم أن هناك دوافع أخرى تتجاوز الإطار الرياضي؟
- المتابع لا يمكنه تجاهل الحضور المتكرر لوزير الرياضة في مشهد الترتيبات، إذ بدا في أحيان كثيرة أكثر حضورًا من رئيس الاتحاد.
- كما يظهر متابعًا لأدق التفاصيل، حتى الصغيرة منها، وكأنه الناطق الرسمي باسم الاتحاد، في وقت تغيب فيه الوزارة عن أدوارها الأساسية، وتبتعد عن معالجة القضايا الحقيقية التي تواجه قطاعي الشباب والرياضة.
- هذا التداخل يفتح الباب أمام قراءة محتملة ترى في البطولة محاولة لإظهار “حالة طبيعية” في غير أوانها، أو لتقديم إنجاز إعلامي للاتحاد في ظل شح الإنجازات الحقيقية. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن الخطر لا يكمن فقط في فشل البطولة، بل في تكريس نهج يقدّم الصورة على المضمون، والشكل على الجوهر، والخاص على العام.
- ولا يقف الأمر عند حدود البطولة، بل يمتد إلى صورة الأداء الوزاري عمومًا. فعندما ينشغل وزير في واحدة من أهم الوزارات بمتابعة وصول النجيل الصناعي لأحد الملاعب، ويتحول ذلك إلى مادة إعلامية، فإن هذا يعكس خللًا في ترتيب الأولويات.
- فالقضية ليست في أهمية النجيل المستورد، بل في حجم الانشغال به مقارنة بملفات أكثر إلحاحًا، تتعلق بالبنية الرياضية ككل، وبإعادة بناء المؤسسات، ووضع سياسات مستدامة للنهوض بالرياضة، والتكيف الموضوعي مع مطلوبات ما بعد الحرب.
- إن ما تعيشه الدولة من ضعف في الأداء المؤسسي عمومًا لا يمكن فصله عن مثل هذه القرارات المتعجلة، سواء من باب الصنع أو الدعم.
- فالإدارة الفاعلة والمواكبة تقوم على قراءة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون، وعلى اتخاذ قرارات تراعي الظروف المحيطة بكلياتها، لا أن تقفز فوقها.
- ومن هنا، فإن مراجعة الموقف من انطلاق بطولة “النخبة” بالخرطوم لا تُعد تراجعًا، بل تعبيرًا عن المسؤولية، وحرصًا على سلامة المنافسة، وقبل ذلك على الوضع الأمني بكلياته.
▪️ آخر الكلم ▪️
- في جانب آخر مهم، من سيتحمل تبعات ما قد يتعرض له اللاعبون من إصابات نتيجة سوء أرضيات الملاعب وعدم جاهزيتها بالشكل المطلوب؟
- فالمخاطر هنا لا تتعلق بجودة المنافسة فحسب، بل بسلامة العنصر البشري، الذي يُعد رأس المال الحقيقي لأي نشاط رياضي.
- ومن، يا ترى، سيعوض الأندية، وعلى رأسها الهلال والمريخ، عما قد تفقده من مكتسبات فنية، وما أنفقته على اللاعبين، بعد الجهود الكبيرة التي بُذلت في استقطاب محترفين وخوض تجارب خارجية، مثل المشاركة في الدوري الرواندي؟
- إن الزج بهذه الفرق في منافسة غير مهيأة قد يبدد تلك المكاسب، ويعيدها خطوات إلى الوراء، بدلًا من البناء على ما تحقق من تقدم في مسار الإعداد والتجهيز.
Omeraz1@hotmail.com













