هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ لم يكن أحد يتخيّل أن القمة السودانية، إحدى أعرق الديربيات في أفريقيا، يمكن أن تُلعب يوماً خارج الخرطوم وأم درمان، بعيداً عن المدرجات التي كانت تهتز بصوت الجماهير، لكن الحرب غيّرت كل شيء، وأجبرت الكرة السودانية على العيش في المنفى.
ـ منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، توقف النشاط الرياضي في السودان، فانتقل الهلال والمريخ أولاً إلى الدوري الموريتاني، ثم إلى الدوري الرواندي في موسم 2025 ـ 2026، وهكذا أصبحت كيغالي تحتضن الديربي السوداني في مشهد لم يكن يخطر على البال.
ـ الهلال دخل التجربة الرواندية بثقة كبيرة بعد نجاحه في موريتانيا، وفرض نفسه بقوة منذ البداية، بينما حاول المريخ ملاحقته جولة بعد أخرى، لكن الهلال ابتعد مبكراً، وترك الصراع على الوصافة بين الجيش الرواندي والمريخ، الذي يحتل المركز الثالث ويبحث عن الوصافة، مركزه المحبب الذي يحتله كل موسم.
ـ القمة الأولى في رواندا جاءت مشتعلة كعادتها، وفاز المريخ بهدفين مقابل هدف في مباراة اتسمت بالندية والاحتكاك والشد العصبي وسط حضور جماهيري لافت، ولم تكن مجرد مباراة عادية، بل شهدت حدثاً استثنائياً بمشاركة عشرة لاعبين أجانب في تشكيلة المريخ لأول مرة في الديربي.
ـ أما القمة الثانية فجاءت بظروف مختلفة تماماً، فالهلال كان قد حسم الدوري عملياً، والمريخ ضمن مركزه المعتاد «وصيف الوصيف»، لذلك بدت المباراة وكأنها بلا تأثير حقيقي على الترتيب، لكن الديربي لا يعترف بالحسابات الباردة، وسرعان ما اشتعلت الأجواء داخل الملعب.
ـ الهلال أكمل المباراة بعشرة لاعبين بعد طرد لاعبه علام، في تكرار لسيناريو بات ملازماً للفريق في الديربيات الخارجية، ففي القمة الأولى برواندا طُرد صلاح عادل، وقبلها في قمة موريتانيا تعرض ياسر جوباك للطرد أيضاً، ليخوض الهلال ثلاث مباريات ديربي خارج السودان وهو ناقص العدد.
ـ هذا الأمر لم يعد مجرد صدفة، لأن أي بطاقة حمراء تغيّر شكل المباراة بالكامل، وتمنح المنافس أفضلية كبيرة في السيطرة وإغلاق المساحات، ورغم ذلك أظهر الهلال شخصية قوية في أغلب تلك المواجهات حتى وهو يلعب بعشرة لاعبين.
ـ القمة الثانية انتهت بالتعادل، لكن الحديث الأكبر لم يكن عن النتيجة، بل عن الحكم الرواندي الذي تحوّل إلى بطل سلبي للمباراة بقراراته المثيرة للجدل، بعد احتسابه ركلة جزاء للمريخ وطرده لاعب الهلال وسط انتقادات واسعة. مباراة بحجم الهلال والمريخ كانت تحتاج إلى حكم أكثر خبرة وقدرة على إدارة التوتر المعروف في هذا الديربي.
ـ بعيداً عن الجدل، كان الهلال يكتب موسماً تاريخياً جديداً، إذ تُوّج بطلاً للدوري الرواندي بعد أن سبق له التتويج بالدوري الموريتاني، ليحقق إنجازاً نادراً بالتتويج ببطولتين خارج السودان في موسمين متتاليين.
ـ إنجاز الهلال لا تكمن عظمته في الألقاب فقط، بل في الظروف التي تحققت فيها، فالفريق يعيش بعيداً عن أرضه وجماهيره، ويتنقل بين الدول بسبب الحرب، ومع ذلك يواصل حصد البطولات وفرض شخصيته.
ـ الديربي السوداني خارج الوطن أصبح قصة مختلفة، من قطر في 1996 وأهداف الوالي الغالي، إلى الإمارات ودرع الشيخ زايد، ثم القاهرة وتنزانيا، وصولاً إلى موريتانيا ورواندا، لكنه في كل مكان ظل محتفظاً بروحه وجنونه وتاريخه.
ـ حصيلة قمتي رواندا واضحة؛ المريخ كسب الأولى، والثانية انتهت بالتعادل، لكن الهلال خرج بالبطولة، أما الحصيلة الأكبر فهي أن الكرة السودانية قاومت الحرب والمنفى وواصلت الحياة رغم كل الظروف.
ـ وقريباً، حين يكتمل دوري النخبة الذي يُلعب بين الخرطوم وأم درمان وبحري، سيكتمل المعنى الحقيقي لكل هذه الرحلة الطويلة.









