أفق بعيد
سيف الدين خواجة
في برنامج «باب الويب» على قناة «فرانس أربعة وعشرون» جاء تقرير عن السودان بعنوان «ترند السبعينيات»، أشار إلى أن كثيرين يتمنون العودة إلى تلك السنوات، هروباً من واقع مضطرب وحنيناً إلى ماضٍ يرونه أكثر استقراراً، وذلك بسبب سوء الحاضر وغياب الأمل في المستقبل.
غير أن هذا الحنين، في وجهه الآخر، يعكس حالة من قلة الحيلة وضعف الإرادة والاستكانة لواقع مأزوم في بلد غني بموارده، فقير بأهله. وهنا يكمن الخلل الأزلي في معادلتنا الوطنية؛ إذ لم نُرزق بقيادة تفهم طبيعة هذا الاختلال، وتعمل على تفكيكه وإعادة توازنه، ليستعيد الوطن مكانته المتميزة «كرمانة ميزان» بين العرب والأفارقة، حين كان يحل ويربط في قضايا الجانبين.
في تقديري أن السبعينيات لم تكن سوى ثمرة طبيعية لنهضة الستينيات، وهي مرحلة شهدت تطورات لافتة قد لا ينتبه إليها كثير من المحللين. عشنا الستينيات ونحن في طور نضجٍ مفعم بقلق الإبداع وهمة الشباب. شهد القطاع الخاص تطوراً ملحوظاً في مختلف القطاعات: الصناعية والزراعية والخدمية، حتى أصبح الصادر يفوق الوارد، وكان الاستيراد نفسه يخضع لضوابط وأولويات محددة من الدولة.
ومن أبرز الشواهد على تلك النهضة زيارة البنك الدولي للسودان عام ألف وتسعمائة وثمانية وستين، حيث اطلع على بيانات وزارة المالية والبنك المركزي، ومنح البلاد شهادة ثقة. وكنا يومها من أوائل الدول التي فكرت في التعليم عن بُعد، وهو ما عاد إليه العالم لاحقاً في زمن الجائحة. وقد جرت تجربة لتدريس مادة اللغة الإنجليزية لمدارس العاصمة عبر وسائل بث تعليمية، على أن تُقيَّم نتائجها تمهيداً لتعميمها أو إيقافها. فالنظام المؤسسي والتجريب المدروس كانا من سمات تلك المرحلة.
وفي العام ذاته تم التعاقد على محطة الأقمار الصناعية وشبكة المايكروويف لخدمة مشروع التعليم، كما افتُتح مستشفى الذرة، ليكون من أوائل المراكز المتخصصة في العالمين العربي والأفريقي.
دخلنا السبعينيات والجنيه السوداني يساوي أكثر من ثلاثة دولارات، ولم تكن على البلاد ديون تُذكر، إذ كانت التنمية تسير بفائض الميزانية، وكان الاحتياطي النقدي عند قيام انقلاب مايو يقارب خمسة وعشرين مليون دولار. وعلى ضوء تلك المؤشرات وُضعت خطة عشرية تُعد، في تقديري، من أفضل الخطط التنموية لو نُفذت كما رُسمت وعلى مداها الزمني المحدد.
غير أن الرئيس جعفر نميري أخطأ بقرارات التأميم والمصادرة، ما أدى إلى هروب رؤوس الأموال، وبدأت الشركات الأجنبية التي كانت تتخذ من بورتسودان مقراً لأعمالها في المغادرة تدريجياً. ثم أعقب ذلك انقلاب اليسار، فاتجه النظام إلى تحصين نفسه سياسياً عبر الاتحاد الاشتراكي، الذي أصبح معتمداً على موارد الدولة، وكان ذلك الخطأ الثاني. في المقابل، تراجعت متابعة الخطة التنموية، وتقدم الهاجس الأمني على حساب التنمية، فتفككت حلقاتها.
على سبيل المثال، كانت الخطة تتضمن إنشاء تسعة مصانع نسيج. وبحسب ما أعلم، وصلت معداتها كاملة، لكن لم يُنشأ منها سوى مصنعين في الحصاحيصا والحاج عبد الله. ومن هنا بدأت ملامح الأزمة الاقتصادية التي أفضت لاحقاً إلى تراكم الديون.
كنت آنذاك طالباً في الجامعة، وكتبت إلى والدي، الذي كان منتدباً في المملكة العربية السعودية، أن يمدد انتدابه لعامين إضافيين لبناء منزل الأسرة، منبهاً إلى أن البلاد مقبلة على أزمة اقتصادية متوسطة المدى. وقد جاءت مقالات الدكتور منصور خالد في تلك الفترة لتؤكد أن الأزمة الاقتصادية، إن لم تُعالج، ستقود إلى سقوط النظام، وهو ما حدث في منتصف الثمانينيات.
كما أذكر أن شقيقي الراحل حسن ساتي أقام مأدبة عشاء في منزله لعدد من قادة الاتحاد الاشتراكي، ناقش فيها ذات المخاوف الاقتصادية. وعاد والدي مرة أخرى إلى السعودية عام ألف وتسعمائة وثمانين، وأقام هناك عشر سنوات، في مؤشر على تبدل الأحوال.
أستحضر هنا أيضاً ما قاله محمد أحمد المحجوب من حكمة نافذة حول مصير التجارب السياسية، وكذلك نبوءة محمود محمد طه عن مستقبل البلاد إن لم يُحسن تدبير أمرها. وأذكر أنني كنت في أثينا عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين، حيث التقيت أسرة يونانية كانت قد عادت نهائياً من السودان. وعندما سألتهم عن السبب، قالوا إنهم يرون مستقبل السودان مظلماً، وأن عدم الاستقرار ينذر بمشكلات كثيرة.
إذا كانت السبعينيات اليوم «ترنداً»، فإنها في حقيقتها نتيجة طبيعية لما تحقق في الستينيات، وثمرة من ثمار الديمقراطية الثانية. فهل نعي الدرس؟ وهل نتجه بكلياتنا إلى حلول عملية تُخرجنا من أزمتنا، أم نظل أسرى التلاوم عبر الوسائط، بين هذا الفريق وذاك، من غير أن نقدم مشروعاً وطنياً حقيقياً يعالج جذور المأزق الذي صنعناه بأيدينا؟
إلى متى يستمر صيوان العزاء على الماضي الجميل الذي كنّا نحن صُنّاعه؟
وهل نملك الشجاعة لصناعة حاضر يليق بتلك الذكريات، بدلاً من الاكتفاء بالبكاء عليها؟












