تباشير
د.وليد محجوب
لا يكاد يمر الواحد منا بأزقة السوشيال ميديا حتى يتعثر في فضيحةٍ ذات جرسٍ يصم الآذان، تحوم حول شخصية عامة جاذبة للاهتمام بشدة، حتى تكاد تمحو سيرتها الحسنة بين الناس في أيام قلائل، وترسم لها بورتريه شيطاني يرسخ في الذاكرة، لا بسبب صدق مقالها ولكن لأن كثرة ترديدها أزحم الأسافير بالمتابعين لها. ولا ننسى تأثير لفحها ومشاركتها مع آخرين لا يعرفونهم، لا لشيء إلا لأنهم صدَّقوا ما رشح عليهم دون دليل قاطع.
الملاحظ أن الفضيحة في غالب الأحيان تنبت إبتداءً في منشور مقتضب، مكتوب بلغة لافتة جداً مثل قطعة السكر المكشوفة فينجذب حولها الذباب. وبعد ترديدها هنا وهناك بصيغٍ مختلفة، يتسلم راية تأكيدها مقطع صوتي لا يبين صاحب الصوت فيه، ليضع ختم الصدق على الواقعة، فيزداد صيادو الفضائح ومتتبعي العورات يقين، ويبدؤون بعدها في نشرها بشكلٍ أكبر حتى ترتدي ثوب الحقيقة.
لكن لا أحد يسأل نفسه بعض الأسئلة المفتاحية: لماذا خرجت هذه الفضيحة في هذا التوقيت بالذات؟ ومن المستفيد من قتل هذه الشخصية تحديداً؟ وماذا نستفيد نحن إن كانت واقعة الفضيحة صادقة أم كاذبة؟ وهل هناك ما يُراد صرف انتباهنا عنه بإثارتها بهذه الكثافة؟
والملاحظ في غالبية وقائع الفضائح المنتشرة في الأسافير، أن رواتها من غير أهلها المتأثرين بها مباشرة. فيأتي الخبر في شكل قصة كتبها أحدهم نقلاً عن الضحية أو أحد الأقرباء، أو رواية محكية في مقطع صوتي يقص هذه الحادثة بضمير الغائب. وكلها روايات تكتسب مصداقيتها الوحيدة من كثرة تداولها لا من أدلة قاطعة تحقق منها رواتها، وتقصي مُخبروها جذور خبرها.
في السابق كان نقل الرجال للأحاديث يُعد منقصة، وأن من شيم الرجال كف اللسان عن الخوض فيما لا يليق. لكن يبدو أن معاييراً أخلاقيةً جديدة أحدثتها متغيرات العصر المتسارعة، فلم تجعل من المستقبح مقبولاً فحسب، بل مُصدَّق في كثير من الأحيان.
ثمة سؤال مهم يطل برأسه هنا، هل انتشرت ثقافة تداول الفضائح في الأسافير بسبب السأم من الشائعات التي استغبت الناس ردحاً من الزمن مثل شائعة “الكلاب المتوحشة” العائثة في أطراف العاصمة فساداً، أو أُرْجُوفَة تلك الفتاة التي مُسِخَت حيواناً أسطورياً في أحد الأحياء القصية عقاباً لمعاصيها. أحاديث إفك استقبلها الناس بالتصديق، وتداولوها بدهشة، ثم اكتشفوا كذبها بعد ذلك. أما قصص الفضائح فهي أقرب للتصديق بحكم حبكتها المشابهة لقصص الواقع، وارتباطها بمشاهير ستجذب قصصهم الناس كما تجذب النار الفراش. إذاً التحولات الدرامية التي تشبه الأفلام الهندية لأناس يرتدون مسوح الفضيلة ومن تحتها خيوط الرزيلة هي أكثر جاذبية من قصص الكلاب الضالة وأراجيف الحيوانات الخرافية.
وحتى نجد براً آمناً نستظل فيه، لابد لنا من الوقوف عند كل نبأ غريب، فبقليل من التبصر يمكننا النأي بأنفسنا عن الوقوع في حبائل أنباء “الفاسقين”، ومشاركتهم ولو بكلمة واحدة توردنا المهال. كما يجب علينا تجنُب الخوض في أعراض الناس، وكلنا خطَّاؤون. فنحن شعب ينزع للسترة لا للفضيحة وديننا يدعو للستر: “ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة”، فماذا دهانا؟
تبقى الفضائح سراباً يُرهق ظمأ الفضول، ولا يروي ظمأ الحقيقة. فما هي إلا تكرارٌ يعمي، وصخبٌ يصم، وبرهان غائب. فلنصغِ إلى صوت الضمير قبل الراوي، ولنذكر أن أرخص ما يُباع في زماننا هو السمعة، وأغلى ما يُشترى هو العقل المتدبر لما يسمع ويرى. فمن استراب وقف. ومن ورع سلم. ومن ستر نجا بنفسه.













