خليك دبلوماسي
محمد مأمون يوسف بدر
في هذه الحياة لا يتشابه الناس إلا في إنسانيتهم أما ما دون ذلك فبحر واسع من الاختلافات. تختلف العقول في إدراكها وتتفاوت النفوس في استيعابها وتتباين الثقافات في نظرتها للأشياء ويبقى التعبير عن التقدير واحداً من أكثر الصفات التي تكشف معادن البشر وأخلاقهم.
ومن واقع تجربة شخصية عشتها مراراً وجدت نفسي أتوقف أمام سؤال بسيط في ظاهره عميق في معناه لماذا أصبحت الكلمة الطيبة نادرة إلى هذا الحد؟
لقد شاءت الأقدار أن أخوض تجربة الكتابة الصحفية وأن أجد لنفسي مساحة في بعض الصحف السودانية المرموقة أكتب فيها عن قضايا الوطن والناس والشأن العام. وبعد نشر أي مقال أجد من الطبيعي أن أرسله إلى أصدقاء وزملاء ومعارف تجمعني بهم علاقات مهنية أو إنسانية أو اجتماعية ليس طلباً للثناء ولا سعياً وراء المديح وإنما باعتبار أن الكتابة رسالة وأن التواصل جزء من هذه الرسالة.
لكن المفارقة التي تتكرر كثيراً أن بعض هؤلاء يقرأ المقال ويفتح الرسالة ويتصفح الكلمات، وربما يستغرق دقائق في الاطلاع على ما كُتب، ثم يرحل بصمت كامل وكأن شيئاً لم يكن. لا كلمة شكر ولا تعليقاً عابراً ولا حتى إشارة صغيرة تدل على أن ما أُرسل إليه قد وصل ووجد طريقه إلى عينيه.
في تلك اللحظات يتسلل إلى النفس شعور غريب ليس شعور الباحث عن الإشادة، وإنما شعور الإنسان الذي يخشى أن يكون قد أثقل على الآخرين أو طاردهم بما يكتب.
وهنا تبدأ رحلة التأمل في طبيعة البشر وفي الفارق الكبير بين من يجيدون جبر الخواطر ومن يبخلون حتى بالكلمة الحسنة.
لقد أدركت مع مرور الأيام أن كثيراً من الناس لا يدركون قيمة الكلمة الطيبة ولا حجم أثرها. فهناك من يظن أن الشكر أمر عادي لا يستحق الاهتمام وهناك من يتعامل مع جهود الآخرين وكأنها واجب لا يحتاج إلى تقدير وهناك من اعتاد الأخذ دون أن يتعلم فن الامتنان.
بينما علمنا سيد الخلق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الدروس في بناء العلاقات الإنسانية حين أرشدنا إلى حسن الخلق وجبر الخواطر وإدخال السرور على النفوس. فالكلمة الطيبة ليست مجرد حروف تنطقها الألسن بل هي صدقة وهي رسالة احترام وهي اعتراف بجهد إنسان اجتهد فأراد أن يشارك الآخرين ثمرة عمله.
ولعل أجمل ما في كلمات التشجيع أنها لا تكلف صاحبها شيئاً لكنها قد تمنح الطرف الآخر طاقة تكفيه لمواصلة الطريق. فكم من مبدع استمر بسبب كلمة دعم وكم من صاحب رسالة ازدادت عزيمته بسبب عبارة تقدير صادقة وكم من إنسان أنهكه التعب فأحيت روحه جملة بسيطة خرجت من قلب محب.
أن مجتمعاتنا اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة إحياء ثقافة التقدير. بحاجة إلى أن نتعلم كيف نقول شكراً، وكيف نعترف بجهود الآخرين وكيف نمنحهم حقهم المعنوي قبل أن نطالب بحقوقنا. فالأمم لا ترتقي بالإنجازات المادية وحدها وإنما ترتقي أيضاً بالأخلاق التي تحكم علاقات أفرادها.
وربما كان اجمل ما تعلمته من هذه التجربة أن العطاء الحقيقي لا يجب أن يكون رهيناً بردود الأفعال. فالكاتب يكتب لأنه يؤمن برسالته، والصحفي يؤدي واجبه لأنه يحمل قضية، وصاحب الكلمة الصادقة لا ينتظر التصفيق بقدر ما ينتظر أن تصل رسالته إلى من يعنيهم الأمر.
ومع ذالك سيبقى جبر الخواطر خلقاً عظيماً وستبقى الكلمة الطيبة واحدة من أجمل الهدايا التي يمكن أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان. فهي لا تكلف مالاً، ولا تحتاج إلى جهد كبير لكنها قد تضيء قلباً أرهقه التعب وتمنح أملاً لمن أوشك على اليأس وتؤكد أن الخير ما زال يسكن النفوس.











