حين تكون النجاة وجها آخر للفقد
من أوجاع الحرب ( ٣)
*******
الزبير نايل
<><><><><<<><>><><
في حيّ يقع جنوب الخرطوم عاش عبد الجبار أياما هادئة تحفه مودة الأهل والجيران بعد أن أسدل الستار على سنوات غربته الطويلة التي كان يصل ليلها بنهارها ليؤمن احتياجات أسرته ويكمل بناء منزله الذي أراده ظلا لشيخوخته وملاذا آمنا لأمه كبيرة السن وزوجته وابنه المعاق.
لم يمضِ سوى عام على عودته حتى اختطفت المنية زوجته إثر مضاعفات التهاب حاد فتركته مثقل القلب في مواجهة الفقد ورعاية طفل يحتاج إلى عناية وأمّ تقدم بها العمر. ألحّ عليه الأهل والجيران أن يتزوج لعله يجد من تشاركه عبء الحياة فوعدهم خيرا بعد أن ينحسر موج الحزن في صدره.
كان وهو يشقّ طرقات المدينة المزدحمة ينتابه قلق وشعور بأن الخرطوم مصابة بزكام ثقيل ويخشى عطاسها.. و المدن عندما تعطس فإنها تخلف كارثة ومأساة ..لم يطل انتظاره ووقع ما كان يخشاه فقد عطست المدينة حربا ضروسا .
بدأ الناس يفرّون جماعات ووحدانا بينما آثر عبد الجبار البقاء … أقسم ألّا يُهزم مرتين.. مرة بالخوف الذي يداهمه ومرة بالرحيل حين يُستدرج إليه.. قال لمن طلبوا منه الخروج :
“لن أغادر منزلي؟ كيف أخرج بأمي الكبيرة وابني المعاق إلى فضاء المجهول؟.
تحصّن بداره.. ينام على دويّ المدافع ويصحو على هدير الرشاشات. كان كل صوت امتحانا لصبره، وكل ليلة تمرّ يعدها انتصارا على الحرب.. غير أن الحرب كعادتها لا تحب الصامدين.
في صباح احتجبت شمسه بالدخان كان هناك تدوين من الجنجا على المنطقة تمهيدا لاجتياح “سلاح المدرعات”.. سقطت دانة على الجزء المستأجر من منزل عبد الجبار حيث تقيم أسرة من خمسة أفراد . دوّى الانفجار وتعالى الصراخ ثم خيّم صمت ثقيل.. هرع عبد الجبار إلى المكان فوجد الركام ابتلع كل شيء كأن الأرض لفظت البيت من جوفها.
مشى بخطوات متعثرة فوق الأنقاض، ينادي.. يبحث عن أنين أو إشارة حياة، لكن الصمت كان مطبقا لا يقطعه سوى هدير المدافع . أحس أن الأرض تميد تحت قدميه من هول الفاجعة.
فجأة.. لاح بصيص أمل فقد سمع صوتا خافتا تحت الركام… بعد جهد شاق انتشل عبد الجبار “حسن” الابن الأوسط للأسرة حيا فيما طوى الموت البقية.. احتضنه طويلا ليثبّت قدميه المرتجفتين.
انفجر حسن باكيا بلا صوت بعد أن فقد كل أسرته:
“ليتني متّ معهم…كنت أظنّ أن النجاة حياة فإذا بها موت آخر”.
نجا حسن، ولكن أيّ نجاة؟ فالناجون يعودون إلى وجوه تنتظرهم وبيوت تُفتح لهم. أمّا هو فقد عاد من الموت لكنه لم يجد وجها يعرفه أو صوتا يألفه سوى عبد الجبار.
انحني إلى الركام وقبض حفنة منه وضمها إلى صدره وهو يردد:
“الموت أهون من حياة بلا أهل ولا أحباب. ما جدوى النجاة إن لم يبقَ فيها أحد يشاركني أوجاعها ؟
عندها أدرك عبد الجبار أن الحرب لم تقتل “أسرة حسن” فحسب بل فعلت ما هو أقسى:
أبقت حسن حيّا ليشهد كيف يمكن للنجاة أن تكون شكلا آخر من الفقد..












