أولمبي السيدات يبدأ مشوار التصفيات بجزر القمر



كرة القدم النسائية.. بين ضرورات الاستمرار وتحديات المرحلة
جدل الأولويات يفرض نفسه على مشروع الكرة النسائية
رؤية للمستقبل أم إنفاق في غير أوانه؟
الكرة النسائية بين مطرقة الواقع وسندان حلم لوس أنجلوس
رياضة المرأة مسيرة صعبة من التأسيس إلى التمثيل القاري
عبد المنعم هلال ـ آكشن سورت
حين يغادر وفد رياضي سوداني أرض الخرطوم متجهاً إلى الدار البيضاء وفي جعبته حلم أولمبي يمتد حتى عام 2028، يجد المتابع نفسه أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل هذا التوقيت مناسب؟ وهل هذا الاستثمار في مكانه الصحيح؟ الإجابة ليست بالبساطة التي قد يوحي بها السؤال، ولا هي بالتعقيد الذي يدفع إلى التهرب منها، فثمة حجج وجيهة على الجانبين، وثمة واقع متشابك الجذور خلف كل موقف.
منتخب السيدات يواجه جزر القمر في أولى محطات الطريق الأولمبي
تحت إشراف المدير الفني برهان تيه وجهازه المعاون، توجه المنتخب الأولمبي السوداني للسيدات إلى المغرب للمشاركة في مباراتي الذهاب والإياب أمام منتخب جزر القمر على ملعب العربي الزاولي بمدينة الدار البيضاء يومي الرابع والثامن من يونيو الجاري، ضمن الدور الأول من التصفيات الإفريقية المؤهلة لدورة الألعاب الأولمبية «لوس أنجلوس 2028».
التصفيات المؤهلة لأولمبياد لوس أنجلوس 2028.
▪️ الدور: الأول بنظام خروج المغلوب.
▪️ المواجهة: السودان × جزر القمر.
▪️ الموعد: 4 و8 يونيو 2026.
▪️ الملعب: العربي الزاولي – الدار البيضاء.
▪️ في حال التأهل: مواجهة نيجيريا في الدور الثاني.
▪️ عدد المنتخبات المشاركة: 35 منتخباً إفريقياً.
▪️ المتأهلان للنهائيات: منتخبان فقط يمثلان القارة الإفريقية.
المسار لا يخلو من الصعوبة، فالسودان يبدأ من الدور الأول، وفي حال تجاوز عقبة جزر القمر سيصطدم بأحد أكبر عمالقة الكرة النسائية الإفريقية، منتخب نيجيريا، ما يجعل الرحلة طويلة وشاقة لكنها قائمة وحقيقية.
مسيرة طويلة للكرة النسائية
لفهم حجم الجدل الدائر اليوم، لا بد من العودة إلى الجذور. فالكرة النسائية في السودان لم تكن يوماً أمراً مسلماً به أو حقاً مكتسباً. وعلى الرغم من أن الاتحاد السوداني لكرة القدم تأسس منذ خمسينيات القرن الماضي، فإن فكرة تكوين فرق نسائية ظلت تصطدم بالأعراف الاجتماعية والقيود القانونية لعقود طويلة.
بدأت المحاولات الأولى مطلع عام 2002 عندما أسست سارة إدوارد فريقاً نسائياً عمل بعيداً عن الأضواء، قبل أن يظهر فريق «التحدي» في ظل ظروف معقدة. وفي يونيو 2014 فتح الاتحاد السوداني الباب رسمياً أمام المرأة لممارسة اللعبة، غير أن هذه الخطوة جاءت أيضاً استجابة لمتطلبات الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، الذي ربط استمرار النشاط الكروي الرسمي بوجود دوري نسائي فاعل.
ورغم القبول بالأمر الواقع آنذاك، فُرضت ضوابط عديدة تتعلق بالزي ومراعاة العادات والتقاليد السودانية، ما يعكس حجم التحديات التي واجهت هذا الملف منذ بداياته.
انفراجة 2019
شكّل عام 2019 نقطة تحول مهمة في تاريخ الرياضة النسوية السودانية. فبعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، انطلق لأول مرة دوري رسمي لكرة القدم للسيدات بمشاركة 21 فريقاً من تسع اتحادات ولائية، في خطوة اعتُبرت تاريخية على صعيد الرياضة السودانية.
وفي عام 2021 شارك المنتخب السوداني للسيدات في البطولة العربية بمصر، ورغم النتائج الصعبة التي تحققت أمام منتخبات أكثر خبرة وتجهيزاً، فإن مجرد الظهور الخارجي عُدّ خطوة تأسيسية مهمة في مسيرة اللعبة.
غير أن هذا التطور اصطدم بواقع جديد مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث تعطلت المنافسات، وتشتتت الأندية، وتفرقت اللاعبات، وتوقفت معظم الأنشطة الرياضية. ومع ذلك، يبدو أن الاتحاد السوداني اختار التمسك بالمشاركات الخارجية حفاظاً على حضور السودان في المحافل القارية والدولية.
جدل الأولويات
السؤال الذي يطرحه كثيرون لا يتعلق بمعاداة الرياضة النسوية، بل يرتبط بترتيب الأولويات في بلد يواجه ظروفاً استثنائية. فهل يملك الاتحاد السوداني الموارد المالية والبشرية الكافية للاستمرار في هذه المشاركات؟ وهل توجد قاعدة جماهيرية محلية تبرر هذا الاستثمار؟ وهل تأتي هذه الخطوات ضمن رؤية استراتيجية واضحة أم أنها مجرد استجابة ظرفية للالتزامات الدولية؟
حجج المعارضين
- ملاعب مدمرة وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل عاجلة.
- غياب قاعدة جماهيرية راسخة للكرة النسائية محلياً.
- حاجة المنتخبات الرجالية لمزيد من الدعم والتركيز.
- تساؤلات مستمرة حول مصادر التمويل وأوجه الصرف.
حجج المؤيدين
- الانسحاب يعني العودة إلى نقطة الصفر وإعادة البناء من جديد.
- «فيفا» يشترط استمرار النشاط النسائي للحفاظ على الوضع الطبيعي لكرة القدم السودانية.
- التجارب الدولية لا تُكتسب إلا عبر المشاركة المتواصلة.
- وجود كوادر نسائية واعدة في مجالي التحكيم والتدريب تستحق الدعم والتطوير.
كما أن هناك بُعداً تنظيمياً لا يمكن تجاهله، يتمثل في ارتباط النشاط النسائي بالالتزامات الدولية للاتحاد السوداني، وهو ما يجعل التراجع عن هذا الملف قراراً ذا تبعات تتجاوز كرة القدم النسائية نفسها.
الأزمة الحقيقية
ربما لا تكمن المشكلة في الكرة النسائية ذاتها، بل في غياب رؤية رياضية وطنية شاملة تحدد الأولويات وتوزع الموارد وفق أسس واضحة وعادلة. فالرياضة السودانية تواجه تحديات بنيوية معقدة، تشمل ضعف البنية التحتية والضائقة المالية وعدم الاستقرار السياسي، وهي عوامل أثرت على مختلف الألعاب والمنتخبات.
ومن هنا فإن أي قرار يتخذ بمعزل عن استراتيجية متكاملة سيظل عرضة للنقد والتساؤل. فالقضية ليست صراعاً بين كرة الرجال وكرة النساء، ولا مفاضلة بين المشاركة الخارجية والتنمية الداخلية، بل هي في جوهرها قضية حوكمة وتخطيط وإدارة موارد.
حلم مشروع
يتوجه منتخب السيدات إلى الدار البيضاء حاملاً أكثر من مجرد حلم بالتأهل الأولمبي؛ فهو يحمل عبء إثبات الوجود، وتمثيل السودان، والدفاع عن مشروع لا يزال محل نقاش واسع.
فهؤلاء اللاعبات يحلمن بالوصول إلى أولمبياد لوس أنجلوس 2028، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحديات إنسانية واقتصادية وأمنية كبيرة. غير أن الإجابة عن سؤال الأولويات لا تقع على عاتق اللاعبات أو الأجهزة الفنية، بل على الجهات التي تدير الملف الرياضي وتضع السياسات وتحدد أوجه الإنفاق.
ويبقى السؤال المطروح: هل تأتي هذه المشاركات ضمن رؤية رياضية وطنية متماسكة تخدم المستقبل، أم أنها مجرد تحركات مؤقتة في غياب خطة واضحة المعالم؟
الإجابة ينبغي أن تكون علنية وشفافة، لأن الرياضة السودانية، رجالاً ونساءً، تستحق أكثر من قرارات مرتجلة في مرحلة استثنائية تمر بها البلاد.













