جدران تبيعها الحاجة… وتشتريها يدٌ لا تُرى
*«ظلال المعنى» *
د احمد قاسم
ما يجري اليوم في أسواق العقار بالخرطوم، ليس مجرد موجة بيع عابرة لحّنها اليأس، بل هو فصلٌ من فصول حربٍ أخرى، تُخاضُ بالعقود لا بالقذائف، وبالرغبات لا بالرصاص.
بيوتٌ كانت بالأمس أحلامَ أجيال، تُعرضُ اليوم كسلعٍ في مزادٍ صامت، والسؤال الذي يُقلق الضمير والوطن معاً: من يشتري كل هذه الجدران، وفي هذا التوقيت بالذات؟
حين تُباع الأرض… تُباع الذاكرة
في زمن الحروب، لا تُفقد الأرض فقط تحت وطأة القصف، بل تُنتزع أيضاً حين يُدفع أهلها دفعاً إلى الرحيل، ثم تُعاد ملؤها بهدوء، عبر أموالٍ لا تحمل رائحة العرق، بل رائحة الفوضى والنهب والذهب المسرّب من شرايين الدولة .
شراءُ بيتٍ هنا، ليس مجرد صفقةٍ تجارية، بل هو غرسُ قدمٍ في نسيجِ حيّ، وشراءُ موقعٍ في خريطةِ المستقبل. ومع تكرار العملية، لا تعود المسألة بيعاً وشراءً، بل تتحول إلى تغييرٍ ديمغرافي صامت، يبدأ ببيتٍ يُباع، ثم حيّ يتبدّل، ثم هويةٌ تذوب، وواقعٌ يصعب استرداده.
أموالٌ من رحم الفوضى… تبحث عن شرعية الجدران
الأموال التي تظهر بعد الحروب، ليست كلها نقيةً كدمعةِ صباح. جزءٌ كبيرٌ منها وُلد من فوضى الحرب، من نهبٍ منظم، من ذهبٍ لم يمر عبر خزائن الدولة، من شبكاتٍ عملت في الظل، ثم تعود الآن تبحث عن شكلٍ شرعي للاستقرار… وأفضلُ شكلٍ هو الأرض.
هذه الأموال لا تعمل وحدها. حولها سماسرةٌ كأشباحٍ تنقل الهمسات، وشبكاتٌ تضخّ الخوف في آذان الملاك: “البيع الآن نجاةٌ، والبقاء مخاطرةٌ”.
وبين الخوف والإرهاق، يوقع المواطنُ على قرارٍ يظنه حلاً فردياً، لكنه في الحقيقة حلقةٌ في سلسلةٍ أكبر.
الدولة بين منطق السوق… ومنطق البقاء
من يقرأ المشهد بعينِ اقتصاديٍ فقط، سيفشل في فهمه. هذا ليس ملفَ عرضٍ وطلب، بل ملفُ أمنٍ قومي. لأن ما يُباع اليوم ليس عقاراً فقط، بل هو موقعٌ في العاصمة، في الدولة، في المستقبل.
الدولة التي خرجت من حرب، لا تترك سوق العقار يعمل بلا ضوابط. ليس منعاً للناس، بل حمايةً لما تبقى .
. المطلوب والحلول ليس قراراتٍ انفعالية، بل إجراءاتٌ ذكيةٌ وصارمة:
•مراجعةُ مصادر الأموال في الصفقات الكبيرة، لا عبر أوراقٍ شكلية، بل عبر تحقيقاتٍ ماليةٍ حقيقية.
•ربطُ عمليات الشراء بسجلٍ ضريبي ومصرفي واضح، لا يُقبل فيه “المال السائل” مجهولَ المصدر.
•وقفٌ مؤقت للبيع المكثف في مناطق حساسة، لحين ضبط السوق، لأن الأمن لا يُدار بمنطق العرض والطلب.
•مراقبةُ حركة السماسرة والوسطاء، لأن كثيراً من عمليات الاختراق تبدأ منهم.
•إنشاءُ قاعدة بيانات لحركة الملكية خلال الحرب وما بعدها، لأن ما لا يُوثق الآن، لن يمكن استعادته لاحقاً.
المواطن بين الخوف… والأمل
لا يمكن ترك المواطن وحده في مواجهة هذا الضغط. المواطن لا يبيع لأنه لا يحب أرضه، بل لأنه خائف، مرهق، غير واثق مما سيحدث غداً.
وهنا يأتي دور الدولة الحقيقي: أن تعيد له الشعور بأن البقاء ليس مغامرة، وأن البيع ليس الخيار الوحيد. التوعية هنا ليست خطاباً عاطفياً، بل هي معركةُ وعي. يجب أن يفهم الناس أن البيع في هذه اللحظة ليس قراراً عادياً، بل قرار قد لا يمكن التراجع عنه.
البيت الذي يخرج من يدك الآن… قد لا يعود إليك ولا إلى غيرك. المال الذي يبدو حلاً سريعاً… قد يتحول إلى ندمٍ طويل.
التاريخ يُعيد نفسه… إن لم نتعلم
التاريخ مليء بتجارب شعوبٍ فقدت أرضها، ليس لأنها هُزمت عسكرياً، بل لأنها فرّطت فيها تحت ضغط الخوف أو الإغراء. والذين اشتروا يومها، لم يكونوا يشترون عقارات… بل كانوا يشترون المستقبل.
السودان اليوم يقف على حافة هذا النوع من الاختبار. إما أن يُدار الملف بعينٍ أمنيةٍ واعية، تُدرك أن ما يجري ليس مجرد سوق… أو يُترك لينمو بصمت، حتى نجد أنفسنا أمام واقعٍ جديد، لا يشبه ما عرفناه.
الأمر ليس دعوةً لمنع البيع بالقوة، ولا لتخوين الناس، بل دعوةٌ لإدراك أن اللحظة استثنائية، وأن القرارات التي تُتخذ فيها لا تُقاس بظروفها فقط، بل بنتائجها البعيدة.
لا أحد يلوم من يريد النجاة. لكن الأوطان لا تُحمى إذا تحولت النجاة الفردية إلى خسارةٍ جماعية.
البيوت التي تُباع اليوم… ليست مجرد بيوت. هي خطوط تماسٍ صامتة، إما أن نحرسها الآن… أو نبحث عنها لاحقاً ولا نجدها.












