صلاح شكوكو
بعد أن ظننت أنني قمت بعمل بطولي يستحق الإشادة، جاءت الحقيقة صادمة، لتكشف أن ما اعتبرته شهامة لم يكن سوى مشاركة غير مقصودة في التحايل على القانون. في هذا الجزء، أحكي كيف تحولت من “بطل” في نظر نفسي إلى مجرد “نفاخ” استُخدم بحسن نية، في واحدة من أغرب المواقف التي مررت بها في الغربة. (2-2)
▪️في ثوانٍ قليلة اختفت المرأة بسيارتها، ورجعت أنا إلى التاكسي مزهوًا بنفختي، ولكن في داخلي وساوس كثيرة.
▪️كان الحدث غريبًا، والطلب أغرب، والجهاز أعجب، غير أنني، كما هي عادة السودانيين، لم أترك الحكاية تموت في صدري.
▪️بعد يومين، انتفخت كعادتنا، وجعلت أسامر صديقي الإثيوبي، وأنا أروي له القصة بفخر، وأحكي له بطولتي في نصرة تلك المرأة البيضاء.
▪️كنت أتوقع أن يثني صديقي على رجولتي ونخوتي وشهامتي، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا، فقد انفجر الرجل في ضحك هستيري حتى كاد أن (يتفنقل) من مقعد سيارته، ثم قال لي، وهو يمسح دموع الضحك:
يا غبي!.. لو كان هناك بوليس وشاهدك تنفخ في ذلك الخرطوش، لكنت اليوم وراء القضبان.
▪️تجمد الدم في عروقي، وتذكرت كل أهلي.
قال لي: هذا الجهاز مخصص لبعض مدمني الكحول أو من صدرت بحقهم عقوبات بسبب القيادة تحت تأثير الخمر، فالسيارة لا تعمل إلا إذا نفخ صاحبها في الجهاز، فيقيس مستوى الكحول في النفس، فإذا كانت النسبة مقبولة، سمح الجهاز بتشغيل المحرك، أما إذا كان الشخص ثملاً فلن تشتغل السيارة.
▪️يبدو أن تلك المرأة كانت ثملة، ولذلك استخدمتك أنت، أيها الساذج النفاخ، لتمنحها زفيرك الخالي من الكحول، حتى يخدع الجهاز ويفتح لها شفرة التشغيل.
▪️هنا فقط فهمت الكارثة.
فهمت أنني لم أكن بطلاً شهماً، ولا منقذًا نبيلاً، ولا فارسًا سودانيًا في بلاد العم سام، بل كنت مجرد رئة بريئة تم استخدامها لتهريب سيدة ثملة من قبضة جهاز قانوني ذكي.
▪️كنت شاهدًا على أن الجهل في أمريكا ليس بريئًا دائمًا، وأن النخوة غير الواعية قد تتحول إلى مشاركة في مخالفة خطيرة.
▪️وحمدت الله كثيرًا أنه لم يكن هناك شرطي قريب، ولم تكن هناك كاميرات تلتقط ذلك المشهد العجيب.
▪️إنه سوداني مهاجر ينفخ بكل فخر في جهاز سيارة امرأة لا يعرفها، لكي يسمح لها القانون زورًا بقيادة سيارة ربما كانت ستتحول بعد دقائق إلى مصيبة في الطريق.
▪️كان ذلك اليوم تاريخيًا في حياتي، يومها تعلمت درسًا لن أنساه، هو أن الشهامة في بلاد القانون تحتاج إلى عقل قبل القلب، وأن المساعدة لا تكون مساعدة إذا كانت تفتح بابًا للخطر أو التحايل أو الجريمة.
▪️في ذلك اليوم اكتشفت أيضًا، وبالدليل القاطع، أنني حقًا من أمة النفاخين.













