تباشير
د. وليد محجوب
لم تعد كرة القدم مجرد مباراة تُلعَب في تسعين دقيقة، ولا مجرد مساحة للمتعة والهتاف والانتصارات العابرة. لقد تجاوزت حدود المستطيل الأخضر لتصبح صناعة متكاملة، تُدار بعقل الاقتصاد، وتُبنى بمنطق التخطيط، وتُقاس نتائجها بكفاءة إدارة الموارد قبل وفرتها. ففي عالم اليوم، لا تضمن الأموال وحدها النجاح، كما أن ضيق ذات اليد لا يحكم بالفشل، وإنما تصنع الفارق قدرة المؤسسات على تحويل الأزمات إلى فرص، واستثمار ما تملكه من طاقات بأعلى درجات الكفاءة.
ولعل تجربة برشلونة في السنوات الأخيرة تُعد من أبلغ الشواهد على ذلك. فقد وجد النادي نفسه غارق في ديون تجاوزت المليار دولار، وسط توقعات بانهيار طويل الأمد يفقده مكانته بين كبار أوروبا. غير أن ما حدث كان مختلفاً تماماً، إذ بدأت عملية مراجعة شاملة، أعادت ترتيب الأولويات، وأحسنت استثمار ناشئي أكاديمية اللاماسيا، وقلَّصت الهدر، ورفعت كفاءة الإدارة الرياضية والمالية، حتى عاد الفريق ينافس على البطولات المحلية والقارية، واستعاد قدراً معتبراً من توازنه المالي، بعدما ظن كثيرون أن عودته لن تكون إلا بعد سنوات طويلة.
إن جوهر الحكاية ليس في كرة القدم ذاتها، وإنما في الفكرة التي تقف خلفها. فالأمم، كما الأندية، لا تنهض بالموارد وحدها، بل بحسن إدارتها. وليس الفارق بين النجاح والإخفاق هو حجم الإمكانات، وإنما نوعية العقول التي تديرها، والإرادة المتجردة من الهوى الشخصي، والتي تتعامل مع الأزمات بوصفها بداية جديدة لا نهاية محتومة.
ومن هنا، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: “هل نستطيع نحن السودانيين أن نحسن قراءة هذا المشهد، ونستلهم منه ما هو أبعد من نتائج المباريات؟ هل يمكن أن تتحول تجربة برشلونة إلى درس في إدارة الوطن، لا في إدارة نادٍ رياضي فحسب؟ وهل نمتلك الشجاعة لننظر إلى السودان باعتباره مشروعاً قابلاً للنهوض في فترة زمنية وجيزة، لا قضية ميؤوس منها؟”
لقد أثبت التاريخ أن السودان لم يكن يوماً فقيراً في موارده، بل غنياً بأرضه ومياهه وثرواته المعدنية وطاقاته البشرية وموقعه الجغرافي الفريد. وما افتقده في محطات كثيرة لم يكن الإمكانات، وإنما الإدارة الرشيدة، واستقرار المؤسسات، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة. فإذا استطاع نادي مثقل بالديون أن يستعيد توازنه عبر التخطيط والانضباط والعمل المؤسسي، أفلا يكون وطن يمتلك كل هذه المقومات أولى بالقدرة على التعافي؟
لا شك أن العودة إلى بر الأمان لن تتحقق بالشعارات، ولا بالأمنيات، وإنما بإحياء روح الانتماء الخالص للوطن، وإطلاق رغبة جماعية جامحة في رفع رايته فوق كل اعتبار. حينها فقط سيصبح السودان بيئة تستعيد ثقة المستثمر الأجنبي، وتجذب رؤوس الأموال، وتعيد أبناءه المهاجرين ليشاركوا في بنائه، كما يعود المشجع الواثق إلى مدرجات فريقه وهو يعلم أن خلفه مؤسسة تعرف ماذا تريد وإلى أين تمضي.
ليست القضية أن نشجع برشلونة أو غيره، وإنما أن نتعلم كيف تُصنع نصة الوطن حين تتوفر الإرادة ويُحسن استثمار الموارد. فالأوطان، كالأندية الكبرى، قد تتعثر، وقد تثقلها الديون والأزمات، لكنها لا تموت ما دام فيها من يؤمن بقدرتها على النهوض. والسودان ليس أقل حظاً من تجربة نجحت في تحويل الانكسار إلى انتصار. إنه يحتاج فقط إلى إدارة تُقدم الوطن على الأشخاص، ورؤية ترى في كل أزمة بدايةً جديدة لا نهايةً محتومة. وعندها، لن يكون جذب الاستثمار الأجنبي هو الإنجاز الأكبر، بل سيكون استعادة ثقة السودانيين أنفسهم في وطنهم، وتلك هي البطولة التي تسبق كل البطولات.











