د. إقبال الباقر
الحنين لا يطرق الأبواب.
يتسلل في رائحة قهوة، وفي أغنية قديمة، وفي اسم يُنطق مصادفة فيهتز له القلب.
إننا لا نشتاق إلى الماضي لأنه كان مثالياً.
إننا نشتاق لأنه كان “حقياً”. كان فيه متسع للجلوس بلا هواتف، وضحك بلا سبب، وعيون تُقرأ قبل أن تنطق.
أتذكر بيتاً كان ضجيجه دفئاً.
أصواتاً تتنازع على جهاز التحكم، وأماً تنادي: “تعالوا، الغداء سيبرد”.
واليوم البيت هادئ. هادئ جداً.
وأحياناً يكون الهدوء أثقل من الغياب.
الصور تفضحنا.
نقف أمامها طويلاً كأننا نبحث عن تفصيلة نسيناها.
تجعيدة على جبين أب، وطريقة ضحكة خالة، ويد جدة كانت تمسح على الرأس فتشفي.
نبتسم ثم نبكي بهدوء. لأن ما مضى لا يعود، وما تبقى لا يكفي.
ولكل منا درج موصد.
ليس درج خشب، بل درج في القلب.
فيه كلمات كتبناها ألف مرة ثم محوناها.
فيه “سامحني” أخفيناها، وفيه “أنا أحتاجك” تجاهلناها.
نحن لا نتعب من الكلام.
نتعب من الكلام الذي لم يُقل.
كم مرة وقفنا وقلنا في سرنا: “اشتقت إليك”؟
كم مرة ابتلعنا دمعة وقلنا “لا بأس” وهي لم تكن كذلك أبداً؟
كم مرة احتجنا حضناً فاكتفينا بالصمت؟
البيوت مليئة بوجوه مبتسمة.
تستيقظ، وتعمل، وتضحك، وتمضي في يومها.
لكن في الداخل صوت خافت يسأل: “هل يراني أحد؟ هل يشعر بي أحد؟”
الحنين ليس ضعفاً.
والاشتياق ليس عيباً.
والبكاء ليس انكساراً.
إنما المكبوت هو الذي يرهقنا. هو الذي يدفعنا للانفجار لأتفه الأسباب، أو للصمت سنين حتى نصبح غرباء.
تخيل لو قلناها.
“أنا فخور بك”
“أنا غاضب منك ولكني أقدرك”
“أخشى الغد دونك”
“شكراً لتحملك إياي”
أربع جمل قد تنقذ علاقة.
قد تفتح باباً أقفله الكبرياء.
قد تجعل إنساناً ينام مطمئناً هذه الليلة.
ويعلمنا الاشتياق درساً قاسياً:
أن بعض الناس لا يعودون مرتين.
وأن بعض اللحظات إن لم نعشها الآن ستصبح ذكرى تؤلمنا لاحقاً.
لذلك قلها قبل أن يصبح الصوت ذكرى.
وزُر قبل أن يصبح الباب صورة.
واكتب قبل أن يصبح الحبر دمعة.
واحتضن قبل أن يصبح العناق أمنية.
لا تدع مشاعرك تموت في الأدراج.
فأخطر ديون المشاعر…
هي التي نسددها متأخرين جداً.
فالقلوب التي نحبها اليوم…
هي الحنين الذي سنعيشه غداً.
{وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.













