مهاد الحروف
مهاد عوض
ماذا يحدث لنا حين تتعثر الحياة؟ تتأخر فتاة عن الزواج، يمرض أحد أفراد الأسرة، يتعطل مشروع، يحدث طلاق، يتأخر الإنجاب، أو يمر أحد الأبناء بمرحلة صعبة… هل نبحث أولاً عن الأسباب الواقعية؟ أم نسأل مباشرة: من كتب لنا؟ ومن فعل بنا ذلك؟
سؤال قد يبدو بسيطاً، لكنه يفتح باباً واسعاً على ظاهرة أصبحت تحتاج إلى وقفة صادقة، خاصة عندما تتحول فكرة السحر والكتابة من اعتقاد ديني إلى تفسير جاهز لكل ما يحدث في حياتنا.
لا أتحدث هنا عن إنكار ما ورد في الدين، ولا عن رفض الرقية الشرعية أو الدعاء واللجوء إلى الله، وإنما أتحدث عن المبالغة في ربط كل تعثر بالسحر، حتى أصبح الأمر أحياناً يتجاوز حدود الاعتقاد إلى اتهام الآخرين دون دليل.
والغريب أن هذه القناعة لا توجد فقط عند محدودي التعليم، بل نجدها أحياناً عند أناس متعلمين، أصحاب ثقافة ومكانة اجتماعية، يعرفون كيف يحللون الأحداث ويفسرونها، لكنهم أمام بعض أزمات الحياة يعودون إلى تفسير واحد: أكيد هناك من كتب لنا!
تتأخر ابنتها في الزواج، فتتهم امرأة. تحدث مشكلة مع أهل الزوج، ثم يمرض أحد أفراد الأسرة، فتبدأ الشكوك. يتأخر الإنجاب، فيظهر تفسير جاهز. يفشل مشروع، أو تتعطل أمور، أو يمر شخص بظروف صعبة، فيقال: «هذه ليست طبيعية.. أكيد وراءها عمل».
وهنا يحق لنا أن نسأل: هل نحن أمام إيمان بالغيب، أم أمام خوف من المجهول؟
فالحياة بطبيعتها ليست كلها أفراحاً وانتصارات. كما خلق الله الصحة، هناك المرض. وكما يوجد النجاح، يوجد الفشل. وكما يأتي الزواج، قد يأتي التأخير. وكما يأتي الرزق، قد يمر الإنسان بضيق. وهناك ابتلاءات لا نعرف حكمتها في لحظتها، وربما لا نعرفها أبداً.
ليس معنى ذلك أن كل شيء يجب أن نقبله بلا علاج أو محاولة، بل إن الإيمان نفسه يدعونا إلى الأخذ بالأسباب. المريض يذهب إلى الطبيب. والمشكلة الأسرية تحتاج إلى حوار وإصلاح. والأزمة النفسية قد تحتاج إلى مختص. والمشروع المتعثر يحتاج إلى مراجعة أسبابه. والأبناء يحتاجون إلى التربية والمتابعة. وفي الوقت نفسه، يبقى القرآن والدعاء والصلاة واللجوء إلى الله أبواباً عظيمة للطمأنينة والسكينة.
المشكلة تبدأ عندما نترك كل هذه الأسباب ونبحث فقط عن «من فعلها؟». لأن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تتحول الشكوك إلى اتهامات، فتتهم المرأة أخت زوجها، وتتهم الأسرة قريبتها، ويصبح الجار عدواً، والصديقة موضع شك، فقط لأن الحياة لم تسر كما أرادوا.
وهنا لا نخسر راحة البال فقط، بل قد نخسر علاقات وأشخاصاً أبرياء.
نعم، هناك أمور غيبية يؤمن بها المسلم، وهناك الرقية الشرعية، وهناك من يحتاج إلى علاج روحي إلى جانب العلاج الطبي والنفسي. لكن ليس كل مرض سحراً، وليس كل تأخر زواج كتابة، وليس كل طلاق عملاً، وليس كل فشل بسبب شخص يتربص بنا.
ربما نحتاج إلى أن نعيد ترتيب علاقتنا بالخوف. بدلاً من أن نسأل دائماً: من فعل بي هذا؟ فلنسأل أيضاً: ماذا أستطيع أن أفعل أنا؟ ثم نرفع أيدينا إلى الله، ونأخذ بالأسباب، ونرضى بما لا نملك تغييره.
فالإيمان لا يعني أن نفهم سبب كل شيء يحدث لنا. وأحياناً تكون القوة الحقيقية في أن تقول: لا أعرف لماذا حدث هذا، لكنني أعرف إلى من ألجأ.
وهنا يصبح اللجوء إلى الله طمأنينة، لا خوفاً… ويصبح الإيمان بالقضاء والقدر قوة تعيننا على الحياة، لا تفسيراً يجعلنا نعيش أسرى للشك والاتهام.












