الدكتور. عاجب الطيب عاجب
هناك لحظات في حياة المؤسسات تشبه تماماً لحظة سقوط عصفور صغير كان يهرب من البرد، يبحث عن دفءٍ يحفظ له الحياة. لم يكن العصفور ضعيفاً، لكنه كان مرهقاً. ولم يكن سقوطه نهاية، بل كان بداية فصل جديد من الحكاية.
سقط العصفور متجمّداً في حقلٍ واسع، لا يسمع فيه أحد صوته، ولا يشعر أحد بارتجافة جناحه. وهكذا تسقط المؤسسات أحياناً: تحت ثقل الأزمات، تحت برد الفوضى، تحت جليد غياب الرؤية.
لكن السقوط ليس المشكلة… المشكلة أن نظلّ على الأرض ونحن نظن أن النهاية قد كُتبت.
ثم جاءت المفارقة التي لا تُنسى: مرت بقرة وأسقطت روثها فوق العصفور. مشهد يبدو في ظاهره قبيحاً، مزعجاً، غير مرغوب فيه… لكن حرارة الروث أعادت الحياة إلى جسده الصغير.
وهكذا هي بعض الأزمات في المؤسسات: تأتي في صورة فوضى، أو خسارة، أو قرار صادم، لكنها تحمل في داخلها بذور الدفء، وبداية التحوّل، وفرصة إعادة التشكيل.
العصفور دبت فيه الحياة، وبدأ يغنّي. وغناؤه كان طبيعياً… فالروح حين تستعيد نفسها تفرح. لكن الفرح قبل أوانه… قد يكون فخاً.
فالقطة التي مرّت لم تكن تبحث عن إنقاذ، بل عن فريسة. سمعت الصوت، فاقتربت، وحفرت، وأخرجت العصفور… ثم أكلته.
وهكذا هي المؤسسات: كم من مرة خرجت من أزمة فوجدت نفسها في أزمة أكبر وكم من مرة ظنّت أن المنقذ صديق ، فإذا به يبحث عن مكسب وكم من مرة ك شفت صوتها قبل أن تقوى، فالتهمتها الظروف.
قراءة فلسفية في واقع المؤسسات
1) ليست كل ضربة عدوّ، وليست كل يدٍ صديق . بعض ما نراه قبيحاً يحمل في داخله بذور النجاة، وبعض ما نراه جميلاً يخفي خلفه فخًا محكمًا.
2) المؤسسات لا تموت… لكنها تُنهك . تتعب من كثرة الصراعات، تتجمد من غياب الرؤية، وتسقط حين تُترك وحيدة.
3) الصوت قبل النضج خط ر. المؤسسة التي تتحدث أكثر مما تعمل، والقائد الذي يعلن قبل أن يخطط، والفريق الذي يغنّي قبل أن يقوى… كلهم يصبحون فريسة سهلة.
4) الأزمات ليست نهاي ة… بل اختبار. اختبار للقيادة، للنية، للقدرة على الصمود، وللذكاء في اختيار اللحظة المناسبة للكلام… وللصمت.
خارطة طريق للنهوض المؤسسي
أولاً: الدفء الإداري
دفء يعني: وضوح، تنظيم، خطط قصيرة، ومسؤول يعرف ماذا يفعل. لا نحتاج معجزات… نحتاج إدارة.
ثانياً: الصمت الحكيم
ليس كل شيء يُقال. وليس كل صوت يجب أن يخرج. الصمت في لحظة الضعف… قوة.
ثالثًا: غربلة النوايا
ليس كل من يقترب يريد الخير. المؤسسات تحتاج إلى: شفافية ، محاسبة ، وضوح أدوار ،حماية القرار من المصالح الشخصية
رابعاً: ثقافة “ننهض معاً”
العصفور لو وجد سرباً حوله لما سقط وحده. والمؤسسات لو وجدت تعاوناً حقيقياً لما طالها البرد.
المؤسسات التي نعرفها… ليست عصفوراً ميتاً، بل عصفوراً دبت فيه الحياة من جديد . لكن عليها أن تتعلم الدرس: أن لا تغنّي قبل أن تقوى، وأن لا تثق في كل من يقترب، وأن تعرف أن بعض ما تظنه شراً… هو بداية الدفء.
هذه ليست قصة عصفور… هذه قصة مؤسسات تبحث عن قيامة جديدة، وتستحق أن تنهض… حين تجد دفئها الحقيقي.
أستاذ إدارة الأعمال – خبير التنمية البشرية











