من بنها إلى الخرطوم… ولادة فنان مختلف
يا أمل عمري القبيل
ويا سنين عامرات فصولًا
ما قدرت أنساك من زمان
بس ضاعت أحلام الطفولة
لماذا نجحت «من جديد» بصوت خالد الصحافة؟
أحلام الطفولة الضائعة… المعنى العميق للأغنية
عبدالمنعم هلال ـ آكشن سبورت
خالد محجوب علي بلال، المعروف فنيًا باسم خالد الصحافة نسبةً لمنطقة الصحافة في الخرطوم التي ينتمي إليها، صوت سوداني دخل الساحة الغنائية في منتصف التسعينيات. لم تكن بداياته من المايكروفون، بل من خلف الآلات الموسيقية. في أيام دراسته بمدينة بنها بمصر كان عازفًا يعيش تفاصيل اللحن قبل أن يفكر في الغناء، وهناك وسط أجواء الطلاب والحنين والغربة تشكّل وعيه الموسيقي، وتعمّق إحساسه بالإيقاع والكلمة.
ومن رحم العزف خرج صوته، وتحول من عازف يتوارى خلف اللحن إلى مغنٍ يتقدّم المشهد، حاملًا معه خبرة الموسيقى وفهمها؛ فكان غناؤه مختلفًا لأنه جاء من معرفة لا من صدفة. ترك أثره رغم بساطة حضوره. صوته كان هادئًا ورقيقًا، يميل للأغاني الحالمة والشعرية. ورغم أنه لم يصل إلى مستوى الشهرة الواسعة مثل بعض نجوم الغناء السوداني، لكنه استطاع أن يكون قريبًا من الناس، من جمهور الأغنية الهادفة، ومن كل من يعرف قيمة الكلمة واللحن الصادق.
في الحفلات المحلية ولقاءات «زمن الفن الجميل» كان حضوره دائمًا حاضرًا؛ صوته يمشي في القلب بهدوء، لكنه يترك أثرًا عميقًا.
مدائح بروح فنان
لم يتوقف خالد الصحافة عند الغناء العاطفي، فهو معروف كذلك بترديد بعض المدائح النبوية التي أعطت صوته بُعدًا روحيًا إضافيًا، ليصبح جزءًا من ذاكرة الأغنية السودانية الأصيلة؛ صوت يمشي في الذاكرة ويمسك المشاعر الصافية بعيدًا عن الضجة والسطحيات.
«من جديد»… وجع الرجوع بعد الفوات
أغنية (من جديد) بصوت خالد الصحافة كانت بمثابة هدية فنية من الراحل مصطفى سيد أحمد، ومن كلمات الشاعر مدني النخلي، وجاءت محمّلة بإحساس عالٍ وصدق عاطفي نادر. العمل يعبّر عن حنين جارف لزمن مضى، وذكريات طفولة عاطفية انكسرت في مفترق الطرق. يحكي عن رجوع حبيب بعد طول غياب، يعود ليكسر صمت السنين بنظرة خجولة، ويحاول أن يحيي نار إحساس ظنّ القلب أنها انطفأت.
لكن رغم وهج اللحظة، النص يذكّرنا أن بعض الأحلام، خاصة أحلام الطفولة، إذا ضاعت لا تعود كما كانت، حتى لو عاد أصحابها من جديد.
الأغنية قائمة على فكرة الرجوع، لكن ليس رجوعًا بسيطًا؛ بل رجوع بعد زمن، بعد ضياع، بعد أن مضى العمر في اتجاه آخر. هي ليست أغنية حب عابرة، بل مواجهة بين الحنين والواقع.
تحليل بعض المقاطع
============
🔹 من جديد جيت تاني تكسر
صمتي بالنظرة الخجولة
هنا البداية قوية؛ الرجوع حدث فجأة. الحبيب عاد، لكن لا بالكلام، بل بنظرة. النظرة الخجولة تعني أن الإحساس ما زال موجودًا، لكن الزمن بينهما أصبح حاجزًا. الصمت هنا ليس صمت لحظة، بل صمت سنين.
🔹 يا أمل عمري القبيل
ويا سنين عامرات فصولًا
الخطاب مليء بالحنين. الحبيب هنا مرحلة كاملة من العمر. «أمل عمري القبيل» يعني الحلم الأول والبداية النقية. و«سنين عامرات فصولًا» تصوير لزمن كان مليئًا بالحياة ومواسم الفرح.
🔹 ما قدرت أنساك من زمان
بس ضاعت أحلام الطفولة
الاعتراف واضح: لم يحدث نسيان، لكن هناك فرق بين الذكرى والحلم. الذكرى عاشت، لكن الحلم مات. أحلام الطفولة هنا رمز للنقاء والبداية البريئة التي كسرها الزمن.
🔹 الحنين الجيتني بيهو
جاني في لحظات ندم
الرجوع لم يأتِ بفرح فقط، بل بندم. كأن الزمن لو عاد قليلًا، لتغيرت القصة.
🔹 ما زمان ضيّع صبانا
وكل لحظات العشم
تحميل المسؤولية للزمن؛ العدو الخفي الذي أضاع الشباب وبراءة البداية، وبدّد العشم.
🔹 من جديد جيت تاني ليه
تبني فيني الانهدم
سؤال قاسٍ: لماذا العودة الآن؟ هل لتبني في داخلي ما انهدم؟ الانهدم ليس علاقة فحسب، بل إحساس وثقة وحلم.
🔹 ما بفيد لو ألملم
من عيونك ذكريات
محاولة يائسة لجمع شظايا الماضي.
🔹 برضو زمن البهجة عدّى
وعمري فات فيهو الفوات
من أقسى العبارات في النص؛ المرحلة الذهبية انتهت، والعمر استُهلك في الانتظار والضياع. هنا استسلام واقعي: لا رجوع حقيقي، بل رجوع متأخر.
لماذا نجحت «من جديد» بصوت خالد الصحافة؟
نجحت الأغنية لأن خالد يمتلك صوتًا هادئًا بلا صراخ أو تمثيل زائد. يغني الوجع ببساطة، كأن إنسانًا يحكي قصته الخاصة. لذلك كانت «من جديد» قريبة من الناس؛ كل من عاش تجربة رجوع متأخر يجد نفسه فيها.
«من جديد» ليست حكاية رجوع عابر، ولا أغنية حنين فقط؛ بل لحظة مواجهة بين قلب ما زال يحتفظ بالصورة القديمة، وزمن لا يعيد الأشياء كما كانت. هي السؤال الذي نسأله لأنفسنا كلما طرق الماضي الباب:
هل يمكن أن نبدأ من جديد؟
أم أننا نحاول فقط استعادة إحساس مات في زمنه؟
الأغنية تقول لنا إن بعض الرجوع ليس بداية، بل كشف حساب. وإن هناك حبًا نعيشه مرتين: مرة بالحلم، ومرة بالوجع. وربما لهذا بقيت «من جديد» حيّة في الوجدان؛ لأنها لم تعدنا ببداية سعيدة، بل واجهتنا بالحقيقة كما هي:
أن الزمن إذا مضى، يترك في القلب مساحة حنين… لكنه لا يمنحنا الفرصة نفسها مرة أخرى.










