في الصميم
حسن أحمد حسن
لم يكن ذلك الصباح مختلفًا عن غيره في بيوت كثيرة… خلافٌ عابر بدأ بكلمة، ثم ارتفعت الأصوات قليلًا، وغادر الزوج إلى عمله وهو يحمل في صدره شيئًا من الغضب.
وبعد ساعة فقط، رن هاتفه.
كان صوت زوجته هادئًا لكنه يخفي دموعًا لم تُرَ.
“أنا ماشّة بيت أهلي… لحدي ما تهدأ.”
أغلقت الهاتف قبل أن تمنحه فرصة للرد.
اشتعلت في داخله نار العناد، وقال في نفسه:
“خليها هناك… لحدي ما تعرف إنو البيت ما بمشي بالطريقة دي.”
ومضى يوم العمل طويلًا، لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث.
كلما حاول أن يسترجع لحظة الخلاف، سبقتها عشرات المواقف الجميلة.
تذكّر كيف كانت تسهر إذا مرض.
وكيف كانت تنتظره على الباب كل مساء.
وكيف أخفت همومها حتى لا تزيد همومه.
وكيف كانت تقتسم معه قسوة الحياة بابتسامة.
فهمس لنفسه:
“معقول أنسى كل دا بسبب ساعة زعل؟”
رفع هاتفه واتصل بها.
قال بصوت خالٍ من الكبرياء:
“أنا جاي آخدك… البيت من غيرك ما عندو طعم.”
لكن المفاجأة كانت في الطرف الآخر.
ضحكت زوجته وقالت:
“أنا أصلًا رجعت البيت… والغدا جاهز.”
توقف للحظة مستغربًا، ثم سألها:
“رجعك منو؟”
قالت:
“أمي.”
وحين سألتها الأم عن سبب مجيئها وهي غاضبة، لم تُشعل نار الخلاف كما يفعل كثيرون، ولم تقل لها: “أنتِ على حق.”
بل سألتها سؤالًا واحدًا:
“قولي لي… منو البمشي معاك بالشمسية وقت الحر؟”
قالت:
“زوجي.”
“ومنو البشيل الطفل منك لما تتعبي؟”
“زوجي.”
“ومنو البسهر عليك لو مرضتي؟ ومنو البجري عشان يوفّر ليكم حياة كريمة؟”
سكتت الزوجة…
ثم انهمرت دموعها.
قالت الأم بحكمة السنين:
“الخلافات بتحصل في كل بيت… لكن البنت الذكية ما تنسى فضل راجلها بسبب لحظة غضب، والراجل الأصيل ما ينسى فضل زوجتو بسبب كلمة خرجت ساعة انفعال.”
عادت الزوجة إلى بيتها…
وعاد الزوج مسرعًا إليها…
ولم ينتصر أحد على الآخر.
بل انتصر البيت.
فكم من بيوتٍ تهدمت لأن كل طرف كان منشغلًا بعدّ الأخطاء، ولم يتفرغ يومًا لتذكّر الجميل.
وكم من أطفالٍ دفعوا ثمن خلافاتٍ كان يمكن أن تنتهي بكلمة اعتذار، أو لحظة تسامح، أو تذكّر موقفٍ جميل.
إن الحياة الزوجية ليست ساحةً لإثبات من المنتصر، وإنما ميدانٌ يتنافس فيه الزوجان على حفظ المودة والرحمة.
ولذلك جاء التوجيه الإلهي خالدًا، ليضع قاعدة ذهبية لكل بيت يريد أن يبقى شامخًا:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
هذه الآية ليست مجرد نص يُتلى، بل منهج حياة.
تذكّر معروف شريك حياتك قبل أن تتذكّر زلته.
استحضر سنوات العشرة قبل لحظة الغضب.
فمن السهل أن نهدم بكلمة، لكن إعادة بناء القلوب قد تحتاج إلى سنوات.
في الصميم…
البيوت لا تُهدم بسبب الخلافات، فكل بيت يعرفها.
لكنها تُهدم يوم يتحول الغضب إلى كبرياء، والكبرياء إلى عناد، والعناد إلى نسيانٍ لكل جميل.
احفظوا الفضل بينكم… فبه تُحفظ البيوت، وتستقر الأسر، ويكبر الأبناء في ظل المودة والرحمة، لا في أنقاض الخصومات.











